يصعب أحياناً كبح الفكرة القائلة إن التاريخ لا يحمل من المواثيق الإنسانية أكثر مما يحمله المسلخ، وأن ما نسمّيه سلاماً ليس إلا الركام البارد لانتصار القوى الأكثر وحشيَّة بيننا.
هذا ما سمّاه الشاعر الأيرلندي شيموس هيني بـ" استباحة القلب" من خلال رصاص مطلق وقاحل، ومذابح أصبحت جزءاً من موسيقى ما يحدث في العالم.
من داخل هذا التشوُّش الذي يخلّفه التاريخ، وهو يعيد إنتاج نفسه يومياً في إيقاعٍ دموي قاس، تخرج صورة (المغنِّي) في المجموعة الشعرية" يملأ الوقت، يتنقَّل بين الثياب" (محترف أوكسجين للنشر، أونتاريو 2026) للشاعر قصي اللبدي.
يأخذ المغني في الشعر العالمي أشكالاً متباينة، لكنه يظل في جوهره صوتاً للتجاوز.
وإن عدنا إلى غناء بعض الشعراء الأكثر انصهاراً بالألم الإنساني مثل: فيديريكو غارسيا لوركا، وراينر ماريا ريلكه، ووالت ويتمان، وعربياً الشاعر محمود درويش في قصيدة الأرض حين يقول: وكان المغنّي يغني ويستجوبونه: لماذا تغنّي؟ يردّ عليهم: لأني أغَنّي.
" نجد أن الغناء قضية وجود لا يحتاج ما يبرره، غناء يجري إلى نفسه كما يجري الماء إلى الماء.
كذلك يؤلف الشاعر قصي اللبدي أغنيته من كيمياء نابضة، من" لغة الجسدين" كما يكرر" لا شيء لا شيء يوقفها".
الغناء عنده لا ينطوي على ذات منقبضة تلوك ماضيها، كما يؤخذ أحياناً على الشعرية الكلاسيكية، بل هو غناء يمضي بالدم المشتعل حتى حدود الأرض، والأغنية في جوهرها لديه تحوّل، مادة تنصهر وتتحلّل، لكن كلّ ذرة فيها تحمل ما يشكل الأثر من جديد.
يقول في إحدى قصائده:ولم تغنِّ، وأنتَ تمشي كالسَّحابأكنتَ تعرف ما السَّحاب؟ وما الطَّريق؟بين مسلخ التاريخ والحنجرة التي اختُرقت بالمرارات، يتفيّأ الشاعر أمكنة أخرى، أمكنة تشرف على منبت الأشياء، على بزوغ الأغنية، والجسد، والريح، والبراعم، مؤكداً أن ما يعني الإنسان حقاً هو الحدوث: " تحدثين كاملة" وربما هذا ما يبرّر نزوعه إلى التخلي، وإسقاط كل شيء من حافة العالم.
رغبة في رؤية الواقع والعدالة معاً، في فكرة واحدة، وعيش مشتركأول ما تخلى عنه الكاتب وأسقطه من غلاف كتابه هو كلمة" لا" كما وردت في القصيدة: " لا يملأ الوقت، لا يتنقّل بين الثياب"، وهو بذلك يحدث اهتزازاً بين الكلمات والمعنى، تبدو كل الاحتمالات فيه قابلة للضحك، الضحك المأساوي الذي يشق الصدر، ولا تتسع له النهايات.
النزوع إلى التخلي، في لغة الشاعر، يجعل الكلمة تنفرط من تلقاء نفسها، حالمة بالوداعة، واللين، وبمجسٍّ من اللطف يوقظ حواسها.
الشاعر يبتكر صورة الأشياء ليستعيد حدوثها.
صورة الشمس، لا الشمس نفسها، هي ما تتخيّله العين في مفتتح المجموعة الشعرية.
في شعرية ما نحلم به بإمكان العين أن تتسع حتى آخر المدارات.
فهي لا تعمل كما برهن الفيلسوف الكندي زينون بيليشِن مثل" شاشة صور داخلية" بل" كنظام رمزي"، وبذلك يصبح التفكير في جوهره رمزياً، وله بعد تخييلي عميق، بينما تأتي تجربة" رؤية الصورة" ومن ثم إعادة ابتكارها لغوياً، كتفسير أو أثر لاحق لهذه العمليات.
ولكن، كيف يمكن أن نتخيل شيئاً بهذا الوضوح؟ ولم على الشمس أن تتخلى عن صورتها الذهنية - كقرص دائري أصفر مشع - وتتحوَّل إلى رموز وطقوس وأطياف وإشراقات؟ ما الذي يمكن أن تحدثُه العين الداخلية وهي تلتقط صورَ الأثر العابر للأشياء؟جاء الصباح في القصيدة الأولى كما يأتي، حسب وعينا بالمواقيت، يتنزّه بين حيوات زائلة، ولا نعلم عنه سوى أنه جاء مستغنياً، مفضلاً العيش بين الضحكات القصيرة، ولا أثر يدلُّ على خطواته في الهواء.
" حاملاً صرَّة وعلى كتفيه وشاح خفيف من القطن، حطَّ على مقعدييعيد الشاعر الأشياء إلى بديهتها الأولى، يوقظ فيها النواة التي غلفتها أعمار من القسوة، ويتحدث عن أكثر الجروح عمقاً كما لو أنها يراعات صغيرة ومنسية.
الألم عنده محرّض على الجمال، ورؤية هذا العالم المزدوج، والفراغ الذي نعبث فيه، جعله يبحث عن وعد اللغة، كما يقول اللبدي في إحدى قصائده: " حشد من اللمسات يحطُّ على زهرة".
أو ما يسميه رولان بارت" المعنى الثالث"، الذي يحرك في المتلقي إحساساً لا يمكن القبض عليه بسهولة، ويكشف عن حضور يقاوم الاختزال في تفسير واحد.
خفة العبور الجميل وسيرة ذاتية للوجود الفلسطيني والإنساني معاًعبارات كثيرة، في هذا الكتاب الشعري، تجعلنا نكتشف غريزة السرّ التي تتفتح عنها الكلمات، كما في قوله: " حتى الأواني الزجاج، تشفُّ بلا رغبة" و" آية الظلِّ أن يتحلَّل مقترناً بالسَّلاسل".
لكن العبارة الأكثر جرأة في هذا الكتاب، والتي تقف في مواجهة التطرف الوحشي الذي يقود العالم اليوم، هي رغبته في أن يرى الواقع والعدالة معاً، في فكرة واحدة، وعيش مشترك، ويفصح عن هذا في قوله:أملأ بالزيت والتين خابية فيه،كتب الشاعر محمود درويش مفترقاً عن قصيدة إليوت: " آذار أقسى الشهور".
في قصيدة اللبدي أيضاً استعادة لآذار، حين يشتد الضوء والجرح معاً.
في الربيع المستحيل، الشهيد بين البتلات، يلقي جثته على الأرض، ويستمر في التحليق كما يقول:" بجناحين طلقين طرت خفيفاً، ومقتلعاً من جذوريلا نعرف كيف يحدث العالم، كما لا نعرف كيف يستمر مغني هذا الكتاب، بذراعين مقطوعتين، في العزف والغناء، وهو يتجوَّل بين الوحوش، والبشر، وآلة الحرب التي لا تتوقف.
لكنّه سواء" ملأ والوقت وتنقّل بين الثياب" أم لم يفعل، لقد كشف لنا أنَّ الرؤية أكثر ما يؤلم، وأن الضوء المتساقط على الركام يجعله أكثر حدَّة، كما يعبّر الشاعر البريطاني فيليب لاركن: " الضوء الذي لا جواب له، الضوء الطويل والعريض، يمنع الندبة من الالتئام".
في كتاب الشاعر قصي اللبدي خفَّة العبور الجميل، وسيرة ذاتية للوجود الفلسطيني والإنساني معاً، ولتصدّع تلك الذات وهي ترى ولا ترى في آن:" ولكن مشيت إلى شجر اللوز أعمى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك