المهندس محمد البحيرى القيادي بجماعة الإخوان، يُعد أحد أكثر الشخصيات غموضًا وتأثيرًا داخل التنظيم، حتى إن الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة سامح فايز يصفه بأنه" صندوق الأسرار الإخواني" و" رجل الظل" و" مهندس التنظيم الخفي"، فضلًا عن كونه أحد أبرز رموز الحرس القديم داخل الجماعة.
ويرصد سامح فايز ما وصفه بـ" الخطايا الكبرى" لمحمد البحيري ودوره في إدارة مفاصل التنظيم بعيدًا عن الأضواء، مؤكدًا أن حجم نفوذه وتأثيره داخل جماعة الإخوان يفوق في جوانب عديدة أدوار قيادات بارزة مثل خيرت الشاطر ومحمود عزت، نظرًا لموقعه التنظيمي الممتد لعقود وشبكة العلاقات التي نسجها داخل الجماعة على مدار سنوات طويلة.
وقال سامح فايز، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، إن فهم أسباب استمرار جماعة الإخوان حتى اليوم، رغم الضربات والانقسامات والأزمات التي تعرضت لها على مدار السنوات الماضية، يقتضي التوقف أمام شخصيات لعبت أدوارًا محورية داخل التنظيم بعيدًا عن الأضواء، وفي مقدمتها القيادي الإخواني محمد البحيري.
محمد البحيري وإدارة التنظيم من خلف الستاروأوضح فايز، أنه إذا طُرح سؤال حول أخطر قيادات جماعة الإخوان، فإن الأذهان تتجه عادة إلى أسماء معروفة مثل حسن البنا، وسيد قطب، وخيرت الشاطر، ومحمود عزت، إلا أن التنظيمات الكبرى لا تعتمد فقط على الوجوه الشهيرة أو القيادات التي تتصدر المشهد الإعلامي، بل تستند أيضًا إلى شخصيات تعمل في الظل وتتولى إدارة الملفات الأكثر حساسية وتأثيرًا داخل التنظيم، مؤكدًا أن محمد البحيري يُعد أحد أبرز هذه النماذج.
وأضاف أن البحيري قضى ما يزيد على نصف قرن داخل جماعة الإخوان، حيث عاصر أجيالًا متعاقبة من القيادات والتنظيمات، بدءًا من جيل الستينيات وحتى الانقسامات والصراعات التي تشهدها الجماعة في الوقت الراهن، مشيرًا إلى أنه طوال هذه السنوات ظل بعيدًا عن الأضواء، ونادرًا ما ظهر في وسائل الإعلام أو أجرى حوارات صحفية أو تصدر المشهد الجماهيري.
محمد البحيرى وإدارة الشبكات التنظيمية الإخوانيةوأكد الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة أن محدودية ظهور البحيري لم تكن دليلًا على ضعف تأثيره، بل على العكس تمامًا، إذ إن طبيعة الأدوار داخل التنظيمات المغلقة تختلف من شخص إلى آخر؛ فهناك من يتولى الحشد والخطابة والترويج الإعلامي، وهناك من يدير شبكات العلاقات الداخلية والخارجية، ويتحكم في موازين القوة ومراكز النفوذ وصناعة القرار، وهو الدور الذي برع فيه محمد البحيري على مدار عقود.
وأشار فايز إلى أنه مع تصاعد الصراعات الداخلية داخل جماعة الإخوان بعد عام 2013، بدأ اسم محمد البحيري يتردد بصورة أكبر من ذي قبل، وذلك لأن الجماعة وجدت نفسها لأول مرة مضطرة إلى كشف جانب من أسرارها الداخلية نتيجة الخلافات الحادة التي اندلعت بين أجنحتها المختلفة.
وأوضح أن الصراعات المتعلقة بالقيادة والتمويل والشرعية التنظيمية وحق اتخاذ القرار كشفت عن أسماء ظلت لعشرات السنوات تعمل خلف الستار، وكان محمد البحيري في مقدمة تلك الأسماء، حيث ظهر حجم نفوذه الحقيقي داخل التنظيم مع احتدام الصراع بين قياداته التاريخية والقيادات الجديدة.
محمد البحيري والحرس القديم للتنظيموأضاف أن ما يجعل البحيري شخصية استثنائية داخل جماعة الإخوان هو انتماؤه إلى جيل قديم للغاية، إذ عاصر تجربة تنظيم عام 1965، وشهد مرحلة إعادة بناء الجماعة خلال سبعينيات القرن الماضي، كما واكب صعود التنظيم الدولي للإخوان خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ثم شهد مرحلة وصول الجماعة إلى السلطة في مصر وما أعقبها من سقوط مدوٍ وانقسامات حادة.
وأكد أن هذه المسيرة الطويلة تجعل من محمد البحيري أكثر من مجرد قيادي تنظيمي، بل شاهدًا على أهم التحولات والمنعطفات التاريخية التي مرت بها جماعة الإخوان على مدار ما يقرب من نصف قرن، وهو ما منحه معرفة عميقة بأسرار التنظيم وآليات عمله وشبكات نفوذه.
وأشار فايز إلى أنه عقب فض اعتصام رابعة وما تبعه من أزمات تنظيمية، برز مصطلح" الحرس القديم" داخل جماعة الإخوان، في إشارة إلى مجموعة من القيادات التي احتفظت بالنفوذ الحقيقي داخل التنظيم حتى مع تغير الواجهات السياسية والإعلامية، مؤكدًا أن اسم محمد البحيري كان حاضرًا بقوة ضمن هذه المجموعة التي ظلت تمسك بخيوط عديدة داخل الجماعة.
محمد البحيرى.
رجل الظل الإخوانىوأوضح أن البحيري لم يكن يومًا من رجال الجماهير أو الشخصيات التي تعتمد على الخطابات الرنانة أو الظهور الإعلامي المكثف، لكنه كان من رجال التنظيم الذين يملكون تأثيرًا يتجاوز بكثير حجم حضورهم العلني، وهي النوعية من الشخصيات التي غالبًا ما تكون الأكثر تأثيرًا داخل التنظيمات العقائدية المغلقة.
وشدد على أن مراجعة الأزمات الأخيرة التي عصفت بجماعة الإخوان تكشف أن جانبًا كبيرًا من الصراع لم يكن صراعًا فكريًا أو أيديولوجيًا بقدر ما كان صراعًا على النفوذ والسيطرة داخل التنظيم؛ من يسيطر على المؤسسات، ومن يدير العلاقات الخارجية، ومن يمتلك الشرعية التنظيمية، ومن يتحكم في الموارد المالية، وهي الملفات التي ظل الحرس القديم حاضرًا فيها بقوة، وكان محمد البحيري أحد أبرز الفاعلين فيها.
محمد البحيرى.
والنفوذ الإخوانىوأكد سامح فايز، على أن كثيرًا من المصريين قد لا يعرفون محمد البحيري أو يسمعون عنه للمرة الأولى، إلا أن دراسة شخصيته ومسيرته التنظيمية تساعد بشكل كبير على فهم الكيفية التي أدارت بها جماعة الإخوان نفسها لعقود طويلة، وكيف حافظت بعض دوائر النفوذ داخلها على استمرارها رغم تغير القيادات والأجيال والظروف السياسية، معتبرًا أن البحيري يمثل نموذجًا واضحًا لما يمكن وصفه بـ" رجل الظل" الذي ظل حاضرًا في قلب التنظيم بعيدًا عن الأضواء، لكنه كان أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في مساره وتوازناته الداخلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك