اجتاز سوق الغاز الطبيعي الأوروبي اختبار مضيق هرمز بنجاح، على الأقل حتى الآن.
وتشير اتفاقية السلام بين الولايات المتحدة وإيران إلى أن أسوأ تداعيات الصدمة قد تكون انتهت، حتى وإن استغرق تعافي الإمدادات بعض الوقت.
ومن المتوقع أن يخفف ذلك من المخاوف المتعلقة بالإمدادات، ويحول الاهتمام نحو الضغوط المرتبطة بالطلب، والتي يُرجح أن تشكل ملامح السوق خلال العقود المقبلة.
فقد أدى الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز عقب اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران إلى توقف ما يقرب من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، ما تسبب في ارتفاع حاد لأسعار الغاز في آسيا وأوروبا.
ورغم أنه من المتوقع إعادة فتح المضيق بموجب الاتفاق، فإن شركات تشغيل ناقلات الغاز تحذر من أن استئناف حركة العبور قد يستغرق أسابيع.
كما أفادت شركة قطر للطاقة بأن الهجمات الإيرانية تسببت في فقدان 17% من طاقتها الإنتاجية لفترة قد تمتد إلى خمس سنوات.
وارتفع متوسط أسعار الغاز الأوروبية بنحو 10 يورو لكل ميغاواط ساعة، أي ما يعادل نحو 31%، منذ بداية الصراع في 28 فبراير.
كما ارتفعت فاتورة الغاز الإجمالية لدول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين بنسبة 48% خلال الأزمة هذا العام.
ومع ذلك، لم تؤد هذه الصدمة إلى انهيار سوق الغاز الأوروبية.
فقد تمكنت أوروبا من الاعتماد على وفرة الإمدادات القادمة من الولايات المتحدة، إضافة إلى كميات أكبر من الجزائر ونيجيريا، للمساعدة في سد الفجوة التي خلفها تعطل الإمدادات عبر هرمز.
كما أن السوق لم تنقسم إلى مناطق متنافسة، ولم تظهر اختناقات كبيرة في البنية التحتية، وظلت الزيادات السعرية متقاربة إلى حد كبير بين الدول الأعضاء.
وساعدت خطوط الأنابيب ومحطات استقبال الغاز المسال وشبكات الربط البيني في الحفاظ على تضامن السوق رغم الضغوط الكبيرة.
ولا يعني ذلك أن الصدمة كانت بلا تكلفة.
فبحسب بيانات أولية، ارتفعت واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال الروسي بنحو 17% خلال الفترة من يناير إلى مايو، رغم سعي الاتحاد الأوروبي إلى فك ارتباطه بقطاع الطاقة الروسي منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
لكن بصورة عامة، أثبت نظام الغاز الأوروبي قدرة ملحوظة على الصمود، خاصة بالنظر إلى حجم صدمة الإمدادات، ويبدو قادراً على استيعاب ضغوط إضافية إذا لزم الأمر.
وقد أجرى الباحثان نموذجاً يفترض حدوث صدمة أشد، تجمع بين أزمة مشابهة لأزمة هرمز وحظر كامل للغاز الروسي.
وفي هذا السيناريو، سترتفع أسعار الغاز الأوروبية بمقدار إضافي يتراوح بين 0.
4 و0.
8 يورو لكل ميغاواط ساعة في أوروبا الغربية، وبين 1.
1 و1.
4 يورو في أوروبا الوسطى والشرقية، أي ما يعادل نحو 7% فقط من الزيادة التي حدثت منذ إغلاق مضيق هرمز.
ويعكس هذا الارتفاع المحدود قدرة أوروبا على تعويض معظم الكميات الروسية عبر زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال من خلال محطات إعادة التغويز الجديدة في بحر البلطيق والبحر الأدرياتيكي وبحر إيجة.
كما ساهم توسع شبكات الربط الإقليمي في أوروبا الوسطى والشرقية، إلى جانب تراجع محدود في الطلب، في الحد من اختناقات الإمدادات.
ويشير ذلك إلى أن المخاوف بشأن قيود الإمدادات المستقبلية في القارة، خصوصاً لدى المعارضين للتخلي الكامل عن الغاز الروسي، قد تكون مبالغاً فيها.
أما الخطر الأكبر فيكمن في جانب الطلب، حيث تبدو التوقعات أكثر تشاؤماً.
تشير التوقعات إلى أن الطلب الأوروبي على الغاز سيتراجع بشكل حاد خلال العقود المقبلة.
هذا ما خلصت إليه دراسة مشتركة أعدها مركز أبحاث سياسات الطاقة الإقليمية ومركز دراسة الديمقراطية، حيث جرى تقييم آفاق الطلب على الطاقة في الاتحاد الأوروبي حتى عام 2040 وفق ثلاثة سيناريوهات: استمرار الاتجاهات الحالية، وتسريع إزالة الكربون، وزيادة الاعتماد على الغاز باعتباره وقوداً انتقالياً.
ويعتمد حجم التراجع المتوقع بشكل كبير على أسعار الغاز العالمية.
ففي سيناريو الوقود الانتقالي، يتوقع الباحثون أن يبلغ متوسط أسعار الجملة الأوروبية نحو 25 يورو لكل ميغاواط ساعة، أي أقل بنحو 50% من المستويات التي شهدتها السوق خلال أزمة إيران، وذلك بفضل وفرة الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال.
وعند هذه الأسعار، ستظل محطات الكهرباء العاملة بالغاز قادرة على المنافسة، وسيجري التخلص من الفحم بوتيرة أسرع، كما سيتمكن القطاع الصناعي من مواصلة استخدام الغاز إلى حين توفر بدائل منخفضة الانبعاثات.
ومع ذلك، يتوقع أن ينخفض إجمالي الطلب الأوروبي على الغاز بنحو 30% بين عامي 2030 و2040 ليصل إلى نحو 2700 تيراواط ساعة سنوياً، مدفوعاً بتحسن كفاءة استهلاك الطاقة في المنازل والتوسع السريع في استخدام الكهرباء داخل قطاعات صناعية كانت تعتمد على الغاز في توليد الحرارة.
أما في سيناريو استمرار الاتجاهات الحالية، فمن المتوقع أن تبقى الأسعار الأوروبية أقرب إلى 35 يورو لكل ميغاواط ساعة.
وسيواصل الغاز لعب دور مهم في موازنة شبكات الكهرباء، خاصة عند انخفاض إنتاج الطاقة المتجددة.
لكن استخدامه في المباني والقطاع الصناعي سيصبح أقل جاذبية اقتصادياً، إذ ستدفع الأسعار المرتفعة نحو مزيد من التحول إلى الكهرباء.
ونتيجة لذلك، قد ينخفض الاستهلاك السنوي للغاز إلى نحو 2300 تيراواط ساعة.
ويصبح الوضع أكثر صعوبة في سيناريو التسريع الكبير لإزالة الكربون، حيث تؤدي أسواق الغاز العالمية الأكثر تشدداً والتوترات الجيوسياسية المتكررة إلى ارتفاع الأسعار نحو 65 يورو لكل ميغاواط ساعة.
وفي هذه الحالة، من المتوقع أن ينخفض استهلاك الغاز بسرعة في معظم القطاعات ليصل إلى نحو 1700 تيراواط ساعة فقط، أي ما يقارب نصف الاستهلاك المتوقع في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً.
وفي مثل هذه البيئة، ستعتمد أنظمة الطاقة بشكل متزايد على مصادر الطاقة المتجددة والبطاريات ومحطات الطاقة النووية الجديدة، فيما يصبح التدفئة الكهربائية الخيار السائد في المباني.
كما ستتعرض الصناعة الأوروبية لضغوط متزايدة لخفض استهلاكها من الغاز وتحسين الكفاءة والانتقال إلى الكهرباء حيثما أمكن.
على جانب الإمدادات، قد تصبح خيارات أوروبا أكثر محدودية بمرور الوقت.
فمن المرجح أن توجه قطر، ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، حصة أكبر من صادراتها نحو الأسواق الآسيوية، نظراً للارتفاع السريع في الطلب على الطاقة هناك.
وبالتالي، يتوقع الباحثون أن يهيمن الغاز الطبيعي المسال الأميركي على السوق الأوروبية في جميع السيناريوهات المدروسة.
فالإمدادات الأميركية تمثل حالياً نحو 60% من إجمالي واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال، ويتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 80% بحلول عام 2030 إذا مضت أوروبا في خطتها للتخلي الكامل عن الغاز الروسي.
ويشير هذا الاعتماد المتزايد، إلى جانب احتمال تزايد تجزؤ بيئة التجارة العالمية، إلى أن سيناريو الأسعار المرتفعة يبدو أكثر واقعية مع مرور الوقت.
وبالطبع، تبقى هذه مجرد سيناريوهات تستند إلى افتراضات قد لا تتحقق بالكامل.
إلا أن نتائج الدراسة تتحدى افتراضاً شائعاً في النقاش الأوروبي حول الطاقة، وهو أن الغاز يمكن أن يؤدي دور الوقود الانتقالي الرخيص لعقود طويلة.
فإذا ظلت أسعار الغاز الطبيعي المسال مرتفعة هيكلياً بسبب المنافسة العالمية والاضطرابات الجيوسياسية المتكررة، فقد يتسارع انتقال أوروبا بعيداً عن الغاز بغض النظر عن الأهداف والسياسات المعلنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك