في البداية أوضح أن هذه المدونة هي جزء مما فاض به الخاطر ردا على مدونة نشرها هنا قبل أيام الزميل الفاضل علي أبو عون بعنوان: «ماذا علمني المرض؟ رحلتي مع القولون الذي غير نظرتي للحياة».
وربما يكون مناسبا، عزيزي القارئ، أن تلقي عليها نظرة أولا قبل أن تقرأ هذه الخواطر بشأنها.
الأمر يتعلق بشخص أحببته في الله منذ أول لقاء بيننا، شخص يجمع بين حسن الخلق وطيب المعشر، ومع هذا وذاك إتقان العملقبل أيام، حرصت على تحويل المدونة فور نشرها إلى العديد من الأصدقاء، والمفاجأة التي ربما لم يتخيلوها أني حولتها رغم أني لم أكن قد قرأتها!في الحقيقة، علمت بأمرها قبل الكثيرين، وتوقعت ما فيها بعد أن أكرمني أخي الدكتور علي عون بإرسالها لي على الخاص قبل النشر العام.
هل أصارحكم القول؟ تحججت بالانشغال والرغبة في قراءتها بتركيز كي لا أقرأها، ولم أفعل إلا الليلة الماضية.
في الواقع، تجنبت قراءتها عمدا لا انشغالا، وابتعدت عنها هربا مما أعرفه من نفسي وأخاف ظهوره منها.
هل أفاجئكم إذ أقول إن قلبي من النوع الضعيف، وإني لم أعد أقوى على مثل هذه الأمور؟كنت أخشى من ضيق صدري وانهمار دموعي، فإذا به يأخذني إلى عالم فسيح من الأمل والشكر لله وفضله ونعمتهفالأمر يتعلق بشخص أحببته في الله منذ أول لقاء بيننا، شخص يجمع بين حسن الخلق وطيب المعشر، ومع هذا وذاك إتقان العمل، وهو أمر يحبه الله، ويحبه الزملاء عندما يكون التعارف أساسه الزمالة في العمل.
أضف إلى ذلك أنه من أبناء غزة العزيزة، وأنه عاش سنوات في بلدي مصر، حيث درس مثلي في جامعة القاهرة، وحصل على شهادة الدكتوراه من كلية عتيدة هي دار العلوم.
ليس هذا فقط، فالرجل كثير الحمد قليل الشكوى، ولن أنسى ما حييت زيارتي الأولى له في المستشفى، وأنا أتوقف هنيهة خارج الغرفة كي أستجمع النصائح التي سألقيها على مسامعه بشأن فضل الصبر وثواب الرضا، وكي أجهز عتادي من كلمات بث الأمل وطرد اليأس.
كنت أخشى أن يخذلني ضعف قلبي وتنهمر دموعي، فأجعل المهمة صعبة على الرجل الذي عانى طويلا، بدلا من أن أقوم بواجب مواساته.
لكن ما هي إلا دقائق، ووجدت نفسي داخل الغرفة أتلقى دروسا في الصبر والأمل من «المريض» الذي تنتظره عملية جراحية صعبة، وجئت لمواساته ونصحه والشد من أزره، فإذا به هو من يشد من أزري ويسهب في الحديث عن فضل الله عليه.
وضعت في خطتي أن أخفي مشاعر الحزن والقلق وأتصنّع الابتسام وأنا أعوده، فإذا بابتسامته الجميلة هي سيدة الموقف، مع كلماته التي تقلص عددها بسبب الظروف الصحية، لكن أثرها كان كبيرا على شخصي الضعيف.
كنت أخشى أيضا من ضيق صدري وانهمار دموعي، فإذا به يأخذني إلى عالم فسيح من الأمل والشكر لله وفضله ونعمته، وإذا بحيرتي فيما أسمع وإعجابي بما أرى، تنحبس معه دموعي، وأتجنب حرجا طالما وضعتني فيه الدموع والعبرات في مواقف مشابهة.
دخلت إلى غرفة الرجل وأنا قلق عليه فزِع مما جرى له، لكني خرجت منهما محملا بدروس الصبر والرضا بقضاء الله عز وجل وأن نضع نعمه الكثيرة نصب أعيننا وندرك أن ما قد ينالنا من ابتلاءات أقل بكثير مما نال غيرنا وأن واجبنا هو الحمد والشكر والصبر والاحتساب.
ألوم نفسي، ولذلك قصدت تأخير قراءة المدونة أسبوعا كاملا، واخترت قراءتها وأنا أنفرد بنفسي في مقهى شعبي انفض رواده بعد انتصاف الليل، وبعد أن انتهت مباراة كأس العالمهل أضيف شيئا يتعلق بي ويجعلني أشعر بالتقصير؟تزاملت مع هذا الرجل لأيام عديدة في غرفة الأخبار، في ظل ظروف عصيبة تتعلق بالحرب على إيران، وكان مساعدي في الإشراف في بعض هذه الأيام، ولا أدري لماذا لم أتوقف عند لحظات استئذانه المتكررة، وإن كانت قصيرة!لكم تأثرت عندما فهمت متأخرا أن الرجل كان يعاني، وأنه كان يذهب إلى الحمام من أجل ضرورة قصوى، ولم يحملنا حتى عناء مشاركته ما يعانيه.
لا أدري، هل كان الأمر احتراما للخصوصية من جانبي؟ أم كان تقصيرا في الاهتمام؟لذلك ألوم نفسي، ولذلك قصدت تأخير قراءة المدونة أسبوعا كاملا، واخترت قراءتها وأنا أنفرد بنفسي في مقهى شعبي انفض رواده بعد انتصاف الليل، وبعد أن انتهت مباراة كأس العالم التي أردت أن أختم بمشاهدتها يوم عمل طويل.
ظننت أني في ظرف تنحسر فيه نسبة العواطف، ومع ذلك فما إن قرأت حتى فاضت عيناي بالدموع، وأدركت مجددا ضعف قلبي، وهو أمر يضايقني أحيانا، لكني أسعد به في قرارة نفسي، وأدعو الله أن يجعلني من الرحماء الذين يستحقون رحمته جل وعلا، وأسأله ألا يجعل قلبي من القلوب القاسية أو أكون معها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك