مع إطلالة عام هجرى جديد، لا نهنئ الأمة بمجرد انتقال رقم فى التقويم، بل نهنئها بمعنى لا يزال قادراً على أن يوقظ الإنسان من غفلته، وأن يردّه إلى أصل رحلته؛ فالتقويم الهجرى لم يبدأ من ميلادٍ ولا من انتصارٍ عسكرى، وإنما بدأ من الهجرة؛ أى من الحركة، والتحول، والخروج من الضيق إلى السعة.
وكأن السنة الهجرية لا تقول لنا: لقد مضى عام، بل تسألنا فى رفق وعمق: من أين ستهاجرون هذا العام؟ من أى خوف ستخرجون؟ من أى هشاشة ستتحررون؟ وما الذى ينبغى أن تتركوه فى أنفسكم حتى تبدأوا عاماً جديداً بالله؟وقد كنا فى هذه السلسلة نقرأ سمات الإنسان المعاصر بعد ما سميناه «النهايات الخمس»: نهاية اللغة، ونهاية التراث، ونهاية الدين، ونهاية الأسرة، ونهاية الدولة، ثم بدأنا نتتبع أثر هذه النهايات فى صورة التدين وسماته، فوقفنا عند الفردانية حين تتحول الأنا إلى مركز العالم، ثم عند المزاجية حين يصبح الشعور اللحظى وسلطان الهوى حاكماً على علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالناس، لكننا نتوقف اليوم استثناءً أمام رأس السنة الهجرية، لا لنغادر أسئلتنا عن الإنسان المعاصر؛ بل لنضعها أمام أعظم مدرسة فى الانتقال والتحول: مدرسة الهجرة النبوية.
الهجرة ليست مجرد حدث تاريخى يُستعاد فى الذاكرة، بل سيرة حضارية تُعاش، ولعل من فقه الأمة العميق أنها لم تسمِّ حياة حضرة النبى صلى الله عليه وآله وسلم تاريخاً فقط، بل سمّتها «سيرة»؛ لأن السيرة تعين على السير، وحين جعل سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه الهجرة مبدأً لتقويم الأمة، لم يكن يؤرخ لواقعة مضت، بل كان يعلن أن المسلم لا يُفهم إلا بوصفه ساعياً فى رحلة؛ يخرج من قهر نفسه إلى رحابة ربه، ومن أسْر الخوف إلى سعة اليقين، ومن ضيق الأنا إلى معنى العبودية والعمل والتوكل.
ومن هنا تبدو الهجرة اليوم علاجاً لما نرصده من هشاشة نفسية وسيولة دينية وفردانية ومزاجية وتدين كمى وتدين بالتمنى؛ فالإنسان المعاصر قد يعرف أن الله هو الرزاق، ثم يرتجف على رزقه كأنه متروك لمخاوفه وحدها، وقد يردد أن الله كافيه، ثم ينهار أمام أول تغير فى خطته، وقد يكثر من المظاهر الدينية، ثم يفقد روح الدين التى هى السكينة والرحمة والأنس والمعنى؛ ليست المشكلة إذن فى قلة المعرفة وحدها، بل فى ضعف انتقال المعرفة إلى يقين، وضعف انتقال اليقين إلى عمل، وضعف انتقال العمل إلى شهود للنعمة.
ولهذا فإن الهجرة فى معناها العميق ليست أن يغادر الإنسان مكاناً فقط، بل أن يغادر قهر نفسه، وسلطان خوفه، ووهم عجزه، وضيق أناه، إلى رحابة الله؛ وقد قال حضرة النبى صلى الله عليه وآله وسلم: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»، وقال: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية»؛ فبقيت الهجرة بوصفها حركة داخلية دائمة؛ هجرة الظلم، وهجرة الوهم، وهجرة الاستسلام، وهجرة التعلق المرضى بالأسباب، وهجرة الفردانية التى تجعل الإنسان لا يرى فى أهله وأولاده وبيته إلا أطرافاً مقصرة فى حق أناه، لا نعماً من الله تستحق الشكر والرعاية.
وتقوم هذه الهجرة القلبية التى أسعى لعيشها بصحبتكم على رباعية جامعة:«من الله، مع الله، بالله، إلى الله».
فأول الهجرة أن تبدأ من الله؛ أى من اليقين فى لطفه، والسؤال هنا ليس: هل نعرف أن الله لطيف بعباده؟ فكثيرون يعرفون ذلك، لكن السؤال: هل نصدق أن الله لطيف بنا نحن؟ هل نقرأ الضيق بوصفه طرداً من الرحمة أم باباً من أبواب التربية؟ هل نصدق خوفنا حين يقول لنا: انتهيتم، أم نصدق قوله تعالى: «اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِه»؟ ؛ لذلك فالهجرة من الله هى الانتقال من سوء الظن إلى اليقين، ومن القلق إلى الفهم، ومن انتظار تحقق الأمانى إلى الرضا بتربية الله.
ثم تأتى الهجرة مع الله؛ أى الأُنس بالله فى قلب الخوف، وهنا يطل علينا مشهد الغار لا بوصفه لقطة من الماضى، بل بوصفه منهجاً يومياً للإنسان الهش حين تحاصره الأسئلة: ماذا أفعل؟ كيف أعيش؟ ماذا عن رزقى وبيتى ومستقبلى؟ فيأتيه النداء النبوى الخالد: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا»؛ ليست المعية إلغاءً للخطر، ولكنها منع لانهيار القلب حتى فى جوف هذا الخطر؛ فالهجرة مع الله أن لا يترك الإنسان قلبه وحيداً تحت صوت الخوف، بل يدخل عليه بنداء: يا الله؛ حتى لا تكون الأزمة أعلى صوتاً من حضور الله فى قلبه.
ثم تأتى الهجرة بالله؛ أى العمل بمدد الله، لا بالاعتماد على النفس وحدها؛ فالتوكل ليس تركاً للأسباب، ولا نوماً على حافة الأزمة، بل أخذٌ بالأسباب دون عبادة للأسباب، أن يعمل الإنسان، ويحاور، ويصلح، ويخطط، ويسعى، ويقول فى قلبه قبل جوارحه: «استعن بالله ولا تعجز»؛ فالذى يخاف على بيته لا يستسلم، بل يبدأ بالإصلاح، والذى يخاف على رزقه لا ينهار، بل يسعى وهو يعلم أن الحياة ليست أكبر من الله؛ ومن عاش بالله عمل ولم يَنْهَرْ، وسعى ولم يظن أنه يحمل الوجود وحده، وأدرك أن «وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ».
ثم تكتمل الهجرة إلى الله؛ أى أن يرى الإنسان الله فى كل شىء؛ أن يرى أهله نعمة، وبيته نعمة، وعمله نعمة، ورزقه نعمة، وحتى أزمته باباً لمعنى؛ أن يقول لزوجته وأولاده وأهله بمعنى الحال قبل المقال: أنتم نعمة الله؛ هنا يخرج الإنسان من المطالبة الدائمة إلى الشكر، ومن اللوم إلى الرعاية، ومن الفردانية إلى العبودية؛ فالفردانية تبدأ حين يرى الإنسان نفسه مركزاً، والهجرة تبدأ حين يرى نفسه عبداً؛ محمولاً بفضل الله، مسئولاً عن غيره، مأموراً بالإصلاح، لا بالاتهام.
وبهذه الرباعية يتعلم الإنسان إدارة أزماته المعاصرة: يصحح الرؤية بأن الله لطيف بعباده، ويسكن القلب بأن الله معنا، ويحرك الجوارح بـ«استعن بالله ولا تعجز»، ثم يرى النعمة فيرجع المعنى كله إلى الله.
ولقد عرف التدين المصرى الأصيل كيف يحوّل المواسم الدينية إلى منابع للسكينة والفرح وتجديد العهد مع الله؛ فرأس السنة الهجرية فى وجدان المصريين ليست مجرد تاريخ، بل محطة تهنئة ودعاء ورجاء، غير أن واجب الوقت أن نستعيد عمق المناسبة، لا أن نكتفى بمظهرها؛ أن نجعلها مدرسة وجدانية واجتماعية تقاوم الفردانية والمزاجية والسيولة الدينية، لا بالصدام مع الناس، بل بإعادة بناء الإنسان على الأُنس بالله.
فليست رأس السنة الهجرية بداية زمن فحسب، بل منهج دائم لبناء قلب ثابت يعش بيقين فى معية الله ويتحقق فى كل نفس من أنفاسه بمعانى الهجرة «من الله، بالله، مع الله، إلى الله».
وبعد هذه الوقفة المباركة نعود فى المقالات القادمة إلى تحليل سمات الإنسان المعاصر، وقد صار بين أيدينا ميزان الهجرة: هل تزيد هذه السمات الإنسان هشاشة أم تنقله إلى الأُنس؟ هل تجعله أسير نفسه أم تفتح له طريق السير إلى الله؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك