كتب: كمال ميرزا - يبدو أنّ أبو ليلى قد شال الليلة!!! مجحفةٌ هي كلّ هذه التعليقات بحقّ حارس منتخبنا! لا يجوز أن نكون في تشجيعنا للنشامى كالمؤلّفة قلوبهم، أو كالذين يغمزون المنتخب في التشجيع؛ إذا فاز رضينا وإذا خسر سخطنا! والأخطر هو هذه الممارسة الاجتماعيّة في البحث دائماً عن شمّاعة وكبش فداء في كلّ شيء وليس فقط كرة القدم! وكأنّ كلّ المقدّرات والإمكانات مهيّأة أمام لاعبي منتخبنا، وهم بإهمالهم أو تقاعسهم أو لا مبالاتهم أو عدم استشعارهم المسؤوليّة قد فرّطوا بها! بالعكس، كما كان ظاهراً، الإحساس العالي بالمسؤوليّة، وأحياناً "زيادة عن اللزوم"، قد كان من العوامل التي كبّلت أقدام لاعبينا اليوم، ومنعتهم من إطلاق العنان لأنفسهم، وتقديم كلّ ما نعلم يقيناً أنّهم يمتلكونه! كيف يمكن للاعب أن يؤدّي ويُبدع ويُعطي أفضل ما عنده وهو يهجس بملايين العيون التي تنظر إليه، لا بعين الرضا، بل بعين مَن يتربّص ويتصيّد أدنى خطأ أو زلّة أو سهوة؟! نعلم أنّ الأمل كبير، والطموح كبير، والعشم كبير، ولكن هذا ليس عشماً، فالعشم لا يكون عشماً إلّا باتجاهين لا باتجاه واحد! وإذا لم نمنح نشامى منتخبنا هذا الشعور، وهذه الطمأنينة، أن يكون عشمهم بنا أكبر من عشمنا بهم، فنحن لا نستحقهم وهم الذين تحدّوا بإصرارهم وعزيمتهم الحسابات والضرورة، ولا نستحق التواجد في كأس العالم! كيف يُتوقّع من "أبو ليلى" أن يؤدّي ويبدع في المباريات القادمة، ويُبدي مستوىً تصاعديّاً كما هو طبيعيّ في مثل هذه المواجهات العالميّة.
|.
بعد كلّ هذا اللوم والتقريع والسخرية السمجة؟! وما يسري على "أبو ليلى" هنا يسري على بقية نشامى المنتخب! كنسبة وتناسب، ما هو متاح للاعبينا، ليس فقط كإمكانات ماديّة، بل أيضاً كخبرة واحتكاك ومِراس هو محدود قياساً بنظرائهم العالميّين، دون أن ينتقص ذلك من الجهود الجبارة التي بذلها القائمون على اللعبة من أجل توفير أقصى ما يمكن، والدفع بالكرة الأردنيّة قُدُماً إلى أبعد ما يمكن.
وها نحن في كأس العالم.
|.
وين كنّا ووين صرنا.
|.
أم يُراد أن يُقال لنا: فعلاً بني آدم ما بملّى عينه غير التراب! مرّة أخرى، الطموح محمود وحلو وضروريّ، ولكن فرق بين الطموح وبين البَطَر! كفريق يخوض مباراته الأولى على الإطلاق في نهايات كأس العالم، فإنّ النشامى قد قدّموا مبارة أقل ما يُقال عنها أنّها كبيرة! بل إنّ المنفعلين بالنتيجة وللنتيجة، قد فاتهم الالتفات إلى أكبر إنجاز حقّقه منتخبنا اليوم: فالنشامى لم يدخلوا أرضيّة الملعب بنفسيّة فريق مغمور [كما تفعل منتخبات أخرى ودول أخرى]، أو فريق قادم من "العالم الثالث"، أو فريق منبهر بـ "الآخر"، أو فريق يواسي نفسه بمقولة "شرف المحاولة" قبل حتى أن يحاول.
|.
النشامى دخلوا اليوم بنفسيّة الكبير الذي يرى نفسه كبيراً ويستحقّ بجدارة أن يكون بين الكبار ويقارعهم مقارعة الندّ للندّ! فريقنا كبير فلماذا يصرّ البعض على تصغير أنفسهم من خلال تصغيره أو تصغير أيّ من لاعبيه، وللأسف من هؤلاء مَن يطرحون أنفسهم كقادة رأي ومشاهير ومؤثّرين يزاودون على الآخرين في سياقات أخرى عندما تكون "الدنيا قمرة والجو ربيع"! الانتماء والوطنيّة الحقيقيّان يظهران في الوقت العصيب لا المريح، في الضيق لا في البحبوحة، عند الصعوبة لا عند السهولة والراحة والدعة! والمشكلة أنّ مباراة اليوم لا تستدعي كلّ هذا، فمنتخبنا لا هو بالمأزوم ولا هو في ضيق أو ضنك، ونتيجة المباراة هي نتيجة عادية وطبيعية وفق منطق ومجريات مثل هذه البطولات الكبرى.
وكمقارنة، ها هو نجمنا الحبيب "علي علوان" قد سجّل هدفاً في الزاوية البعيدة على غرار هدف النمسا الأول، [وإن كان هدف علوان يفوق هدف نظيره حرفنة وجمالاً بمراحل]، فلو فتحنا وسائل التواصل النمساويّة هل سنجدها تجلد حارسها كما نجلد "أبو ليلى" لأنّه لم يقفز ويحلّق ويطير كسوبرمان من أجل صدّ الهدف؟! وهل الأصل في ضربات الجزاء أن تُصَد والاستثناء أن تُسجَّل؟! مؤشر آخر خطير، بل وأكثر خطورة من منظور سوسيولوجيّ، وهو "الوصم" الذي التصق بـ "أبو ليلى"، إذ يبدو أن الكثيرين لم ينسوا ولم يغفروا له الهدف الذي تلقّته شباكه في نهائيّ كأس العرب أمام المغرب جرّاء تقدمه عن مرماه، وبحيث لم يعد مسموحاً لـ "أبو ليلى" أن يُعامل كما يُعامل أي حارس آخر: يتقن مرّة.
|.
يخفق مرّة.
|.
يصيب مرّة.
|.
يخطئ التقدير مرّة.
|.
يبدع مرّة.
|.
يغفل مرّة! نعم، غلطة الشاطر بعشرة.
|.
ولكن أيضاً إذا كنا نستطيع أن نغفر أو نلتمس العذر فإنّ الشاطر أولى وأحقّ بذلك بشفاعة جميع شطاراته السابقة! تحية حبّ وتقدير ودعم بلا حدود لحارسنا الفذّ "يزيد أبو ليلى".
|.
وتحية لجميع نشامى منتخبنا مَن أبلى منهم في الملعب ومن هو منتظر على دكّة الاحتياط.
|.
بل وتحيّة إلى لاعبينا المصابين الغائبين عن الملعب ولكن الحاضرين دائماً وأبداً في قلوبنا وقلوب زملائهم.
|.
وقبل ذلك كلّه تحية إلى مدربنا الكبير "جمال السلّاميّ"، الذي حرص بعد المباراة على الخروج مباشرة، والإشادة بجميع نشامى المنتخب بلا استثناء، مطالباً لنا كجمهور أن نلومه هو إن كان لدينا لوم ولا نلوم لاعبي المنتخب.
كابتن "جمال"، وجميع نشامى المنتخب: لا نلومكم ولا تلومونا.
|.
فيكفينا أنّنا منكم وأنّكم منّا.
|.
وأنّكم قد وصلتم وأوصلتمونا معكم إلى حيث لم نكن نحلم من قبل!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك