حسن دنيف الشرشاب منذ قيام دولة إسرائيل خاضت حروبًا متعددة ضد العديد من الدول العربية في المنطقة، وكانت غالبًا قادرة على تحقيق أهداف عسكرية واضحة، سواء بإسقاط أنظمة بمساعدة امريكا، أو احتلال أراضٍ، أو فرض معادلات ردع جديدة.
أما المواجهة المباشرة مع إيران فقد طرحت سؤالًا مختلفًا: هل يكفي البقاء والصمود لإعلان النصر، أم أن النصر يتحقق فقط بفرض الإرادة السياسية والعسكرية على الخصم؟ وهنا يبرز لدينا مفهومان للنصر:المفهوم الامريكي والاسرائيلي للنصر:تحاول امريكا وإسرائيل ان ترسم النصر من زاوية تحقيق الأهداف الاستراتيجية.
فإذا تمكنت من إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، أو تعطيل برامجها العسكرية، أو تقليص نفوذها الإقليمي، فإنها تعتبر ذلك انتصارًا حتى لو لم يؤدِّ إلى إسقاط النظام الإيراني أو احتلال أراضٍ.
غير أن هذه الحرب كشفت عن واقع جديد لم تعهده إسرائيل في معظم حروبها السابقة؛ إذ تعرضت مدنها ومرافقها الحيوية للقصف، وتعطلت قطاعات من الحياة الاقتصادية والتعليمية، وأصبحت الجبهة الداخلية جزءًا مباشرًا من ساحة الحرب.
كما أن استمرار حالة القلق الأمني دفعت الكثير من الإسرائيليين إلى التفكير في المغادرة المؤقتة أو الدائمة، وهو أمر يُستشهد به باعتباره مؤشرًا على حجم الضغط الذي تعرض له المجتمع الإسرائيلي.
كما انه اول مرة تتعرض القواعد الامريكية لهجمات ايرانية في كل دول الخليج والاردن.
المفهوم الإيراني للنصر:تنظر إيران إلى المسألة الى النصر من زاوية مختلفة.
فوفق هذا المنظور، لا يُقاس النصر بالضرورة بإلحاق هزيمة كاملة بالخصم، بل بمنع الخصم من تحقيق أهدافه الأساسية.
ومن ثم فإن بقاء الدولة الإيرانية ومؤسساتها وقدرتها على مواصلة العمل يُعد، في نظر كثير من الإيرانيين، دليلًا على النجاح في الصمود.
وتستند هذه الرؤية إلى فكرة أن الهزيمة الحقيقية تتحقق عندما تسقط الدولة أو تفقد سيادتها أو تتنازل عن أراضٍ أو تُفرض عليها إرادة الخصم.
ولذلك ترى إيران أن استمرارها في القتال، وقدرتها على الرد، والمحافظة على أوراق القوة التي تمتلكها، كلها عناصر يمكن تصنيفها ضمن مفهوم الانتصار.
كما أن طهران تنظر إلى قدرتها على التأثير في أمن الملاحة في مضيق هرمز، وقدرتها على استهداف القواعد والمصالح الامريكية في المنطقة، بوصفها وسائل لإثبات أن الحرب لم تجرِ وفق الشروط التي أرادتها امريكا وإسرائيل وحدهما.
بين النصر العسكري والنصر السياسي:تكشف هذه الحرب حقيقة طالما أكدت عليها تجارب الصراعات الدولية، وهي أن النصر العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق النصر السياسي.
فقد يتمكن طرف من إلحاق خسائر كبيرة بخصمه دون أن يفرض عليه شروطه أو يحقق أهدافه الاستراتيجية، بينما ينجح الطرف الآخر في الصمود رغم الكلفة الباهظة التي يتحملها.
لذلك، لا تُقاس نتائج الحروب بالمكاسب الميدانية وحدها، بل بمدى قدرة كل طرف على ترجمة أدائه العسكري إلى إنجازات سياسية ملموسة.
وفي كثير من الأحيان، يصبح إعلان النصر مرتبطًا بالرواية السياسية أكثر من ارتباطه بالوقائع العسكرية.
لذلك يبقى السؤال: من المنتصر؟إذا كان معيار النصر هو إسقاط الخصم أو احتلال أراضيه أو فرض الاستسلام عليه، فقد يكون من الصعب الحديث عن انتصار حاسم لأي من الطرفين.
أما إذا كان معيار النصر هو الصمود ومنع العدو من تحقيق أهدافه الأساسية، فإن كل طرف سيجد ما يدعم روايته الخاصة.
وعليه، فإن الحكم النهائي على المنتصر لا يتوقف على عدد الصواريخ التي أُطلقت أو حجم الخسائر التي أُلحقت، بل على الإجابة عن سؤال أكثر جوهرية: أي الطرفين خرج من الحرب أقرب إلى تحقيق أهدافه الاستراتيجية، وأي الطرفين اضطر إلى تعديل حساباته السياسية والعسكرية بعد انتهاء القتال؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك