في قلب مدينة الإسماعيلية، وعلى امتداد شريانها الحيوي الشهير شارع محمد علي، يقف “تمثال الصمود” كأحد أكثر الرموز البصرية والتاريخية ارتباطًا بذاكرة مدن القناة، ليس فقط باعتباره عملًا فنيًا، بل بوصفه شهادة مادية على مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ مصر الحديث، حين كانت الإسماعيلية في قلب المواجهة مع العدوان والاحتلال.
صناعة التمثال من شظايا القنابل الإسرائيليةهذا التمثال الذي صُنع من شظايا القنابل الإسرائيلية التي سقطت خلال حرب 1967، لم يكن مجرد فكرة تشكيلية، بل كان فعلًا مقاومًا كامل المعنى، أراد من خلاله الفدائي ابن المدينة جلال عبده هاشم أن يحوّل أدوات الدمار إلى رمز للهوية والصمود والاستمرار.
شارع محمد علي… مسرح الذاكرة اليوميةلا يمكن فصل تمثال الصمود عن موقعه الجغرافي، فوجوده في شارع محمد علي لم يكن اختيارًا عابرًا، بل جاء في قلب أكثر شوارع الإسماعيلية حيوية، والذي يمثل محورًا رئيسيًا يربط بين مناطق المدينة المختلفة، ويقود الزائرين نحو عدد من أهم المعالم، من بينها مناطق الواجهة السياحية، ومرافق هيئة قناة السويس، والمناطق الخدمية الحيوية.
هذا الشارع الذي يشهد حركة يومية كثيفة، يتحول فيه التمثال إلى نقطة توقف بصرية وسط زحام الحياة الحديثة، وكأنه يعيد تذكير المارة بأن تحت طبقات المدينة المعاصرة، توجد طبقة أعمق من التاريخ، مشبعة بالصراع والصمود.
من الحرب إلى الفكرة… ولادة تمثال من الرمادتعود قصة التمثال إلى ما بعد نكسة 1967، حين تعرضت الإسماعيلية ومدن القناة لظروف عسكرية صعبة وقصف متكرر، ترك أثرًا بالغًا في حياة السكان.
حيث عاش جلال عبده هاشم، أحد أبناء المقاومة الشعبية، تفاصيل يومية من الألم والدمار، حيث لم تكن الحرب حدثًا بعيدًا، بل واقعًا يطرق البيوت ويغير ملامح المدينة.
ومن هنا بدأت الفكرة: لماذا لا تتحول بقايا الحرب نفسها إلى شاهد على الصمود بدل أن تبقى مجرد بقايا صامتة؟الفكرة كانت غير تقليدية في ذلك الوقت، لكنها حملت جوهرًا رمزيًا بالغ القوة: تحويل الشظايا إلى ذاكرة، والحديد المحطم إلى خطاب بصري للمقاومة.
بدأت مرحلة التنفيذ بنداء إنساني غير رسمي، حيث تم جمع شظايا القنابل وبقايا الأسلحة من الأهالي الذين عاشوا آثار القصف في منازلهم وشوارعهم.
لم تكن العملية مجرد تجميع مواد، بل كانت نوعًا من “تفريغ الذاكرة الجماعية”؛ فكل قطعة معدنية كانت تحمل أثرًا مباشرًا لحظة انفجار أو سقوط قذيفة أو دمار منزل.
ثم جاءت مرحلة التشكيل داخل ورشة بسيطة بالمحطة الجديدة، حيث جرى لحام وتكوين الهيكل الأساسي للتمثال في ظروف شديدة الصعوبة، سواء من حيث الإمكانيات أو طبيعة المرحلة نفسها.
جاء التمثال في صورة مقاتل مصري من أفراد المقاومة الشعبية، يقف بثبات فوق شظايا القنابل، في وضعية تحمل دلالات متعددة منها القدم الراسخة على بقايا الحرب واليد اليمنى ممسكة بسلاح واليد اليسرى تمسك بقنبلة معاد توجيهها.
هذا التكوين لم يكن مجرد اختيار جمالي، بل كان خطابًا بصريًا واضحًا: الإنسان لا يكتفي بالدفاع، بل يعيد توجيه أدوات العدوان نفسها ضد من أطلقها.
إنه تجسيد لفكرة “تحويل القوة المدمرة إلى طاقة مقاومة”، وهي الفلسفة التي ميزت تجربة مدن القناة في تلك المرحلة.
ظروف التنفيذ… بين القصف والضوء الخافتواحدة من أكثر الجوانب اللافتة في قصة التمثال هي ظروف تصنيعه، إذ تمت مراحل العمل في وقت كانت فيه المدينة تعيش حالة عدم استقرار أمني.
كان العمل يتم في بيئة بسيطة، وبإضاءة خافتة تم تغطيتها بوسائل بدائية لتجنب كشف الموقع، في ظل خشية دائمة من القصف أو الاستهداف.
ورغم غياب الخبرة الفنية المتخصصة، استطاع القائمون على المشروع تجاوز هذه التحديات، ليخرج العمل النهائي بطول يقارب 275 سم ووزن يتجاوز 312 كيلوجرامًا، ليصبح واحدًا من أكبر الأعمال الرمزية التي وثقت تلك المرحلة.
من الإسماعيلية إلى القاهرة… انتقال الذاكرة الوطنيةلم يبق التمثال حبيس موقعه المحلي فقط، بل انتقل لاحقًا إلى القاهرة ليعرض في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1972، بناءً على طلب رسمي من الدكتور مفيد شهاب، الذي كان يشغل حينها منصب أمين منظمة الشباب الاشتراكي.
هذا الانتقال لم يكن مجرد مشاركة فنية، بل كان اعترافًا رسميًا بقيمة العمل كوثيقة بصرية تعبر عن تجربة وطنية كاملة.
وقد لاقى التمثال اهتمامًا واسعًا خلال العرض، حيث جذب أعدادًا كبيرة من الزوار، لدرجة أن فترة المعرض تم تمديدها نتيجة الإقبال الكبير على مشاهدته.
يروي جلال عبده هاشم، ابن الإسماعيلية وأحد أعضاء المقاومة الشعبية، أن تجربته في الحرب لم تكن مجرد مشاركة عابرة، بل كانت حياة كاملة امتدت عبر مراحل مختلفة من التاريخ المصري الحديث.
فقد عايش الاحتلال، والمقاومة الشعبية، وحرب الاستنزاف، ثم نصر أكتوبر 1973، وما تبعه من تحولات كبرى في الوعي الوطني.
ويؤكد أن فكرة التمثال جاءت من رغبة داخلية في تخليد تجربة الناس العاديين، الذين عاشوا تحت القصف لكنهم لم يغادروا مدينتهم، وظلوا جزءًا من معادلة الصمود اليومي.
لا يُنظر إلى تمثال الصمود اليوم باعتباره مجرد عمل نحتي، بل كرمز متعدد الطبقات منها رمز للمقاومة الشعبية في مدن القناة، وشاهد مادي على حرب 1967، وتعبير عن قدرة الإنسان على تحويل الألم إلى معنى، وعلامة على هوية الإسماعيلية التاريخيةكما أصبح جزءًا من الذاكرة البصرية للمدينة، وواحدًا من العناصر التي تربط بين الماضي والحاضر في الفضاء الحضري.
تمثال الصمود والسياحة الثقافية في الإسماعيليةفي السياق المعاصر، أصبح التمثال نقطة جذب للزائرين، سواء من أبناء المدينة أو من خارجها، حيث يُنظر إليه كجزء من التجربة الثقافية والتاريخية للإسماعيلية.
ومع وجوده في قلب شارع محمد علي، القريب من مناطق حيوية ومؤسسات كبرى مثل هيئة قناة السويس، أصبح التمثال جزءًا من المسار اليومي للمدينة، يربط بين التاريخ والاقتصاد والحياة المعاصرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك