نحن نعيش في العصر الأكثر اتصالاً في تاريخ البشرية، لكننا، ويا للمفارقة، الجيل الأكثر شعوراً بالانفصال والوحدة، نجلس خلف شاشاتنا الباردة، نعد أصدقاءنا بالآلاف، نجمع الإعجابات كأنها صكوك غفران اجتماعية، ثم نلتفت حولنا في عتمة الليل، فلا نجد إلا صدى أنفاسنا، وجدراناً صامتة تشهد على غربتنا في زحام الوهم.
إنها مفارقة هذا الزمان؛ أن تكون "متاحاً" للجميع طوال الأربع وعشرين ساعة، ومستباحاً من إشعارات لا تتوقف، لكنك في الوقت ذاته، غير موجود في قلب أحد.
تحولت علاقاتنا الإنسانية من عمق "اللقاء" إلى سطحية "اللايك"، واستبدلنا حرارة الأحضان ببرودة "الإيموجي"، فباتت مشاعرنا معلبة، وتواصلنا مجرد نقرات على زجاج صقيل لا ينبض بالحياة.
في هذا الفضاء الأزرق الفسيح، يهرب الجميع من وحشته إلى وحشة أكبر، نلهث وراء "التريند"، وننشر تفاصيل أيامنا لنثبت للآخرين أننا سعداء، وفي عمق الروح يربض حزن نبيل، سببه أننا نبحث عن الأنيس في محيط من الغرباء.
فالأصدقاء على منصات التواصل صاروا كالأرقام في الحسابات البنكية، تزيد قيمتها في المظهر، وتتبخر قوتها الشريائية عند أول أزمة حقيقية تحتاج إلى كتف يستند عليه الرأس، أو يد حانية تمسح دمعة حقيقية لا دمعة إلكترونية متحركة.
نحن لسنا وحدنا لأننا بمفردنا، بل نحن غارقون في الوحدة لأننا محاطون بضجيج فارغ.
إن آلاف المتابعين لا يصنعون ونيساً، ومئات التعليقات لا تقيم حواراً، لقد تحولنا إلى جزر معزولة يربط بينها سلك "الواي فاي"، فإذا انقطع الاتصال بالشبكة، اكتشفنا كم نحن عراة من العلاقات الصادقة، وكم هي موحشة تلك الغربة التي نعيشها وسط ملايين البشر الذين يمرون بجانبنا في قطار الحياة السريع دون أن يلتفت إلينا أحد.
العلاج يبدأ من العودة إلى الأصل، أن نغلق شاشاتنا لنفتح قلوبنا، وأن ندرك أن صديقاً واحداً نتقاسم معه رصيف الطريق وكوب الشاي، أثمن من جيوش افتراضية تحشد خلف شاشات الهواتف.
محمود عبد الراضي،مقالات محمود عبد الراضي، العزلة الرقمية، مواقع التواصل، الوحدة النفسية، العلاقات الإنسانية، التطور التكنولوجي، السوشيال ميديا، الصحة النفسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك