الجزائرـ “القدس العربي”: طالبت برلمانية فرنسية من حزب “فرنسا الأبية” الذي يقوده الزعيم اليساري جون لوك ميلونشون، الحكومة الفرنسية بتسهيل الاعتراف بالجنسية الفرنسية لفئة من الجزائريين المولودين في الجزائر قبل استقلالها سنة 1962، في مبادرة تتصادم مع الخط المتشدد لليمين الفرنسي حيال الجزائر.
وفي سؤال كتابي وجهته ماتيلد إينيي إلى وزير الداخلية الفرنسي، لفتت البرلمانية عن دائرة إيل إي فيلان في إقليم بريتاني شمال غرب فرنسا، الانتباه إلى ما اعتبرته ضرورة مراجعة بعض الأحكام القانونية المرتبطة بإعادة الإدماج في الجنسية الفرنسية بالنسبة للأشخاص المولودين في الجزائر عندما كانت تحت الإدارة الاستعمارية الفرنسية.
وأشارت البرلمانية إلى أن استقلال الجزائر في 5 تموز/جويلية 1962 وما تبعه من دخول أحكام جديدة متعلقة بالجنسية حيز التنفيذ سنة 1963 أدى إلى أوضاع قانونية معقدة.
فبينما تمكن بعض الأشخاص من الاحتفاظ بالجنسية الفرنسية أو الاعتراف بها، فقد آخرون هذه الجنسية أو لم يتمكنوا من إثبات أحقيتهم فيها رغم أنهم ولدوا في نطاق إدارة السلطة الفرنسية آنذاك.
وركزت البرلمانية بشكل خاص على القانون الصادر في 20 كانون الاول/ديسمبر 1966، الذي عدّل بعض أحكام الأمر الصادر في 21 تموز/جويلية 1962 والمتعلق بالجنسية، معتبرة أن شروط ممارسة حق الاختيار للاحتفاظ بالجنسية الفرنسية كانت مقيدة بالنسبة إلى بعض الفئات، ما حال دون تمكينها من ممارسة هذا الحق في ظروف مماثلة لتلك التي استفادت منها فئات أخرى.
وترى صاحبة السؤال أن هذه الوضعية أفرزت ما وصفته بـ”ازدواجية في عدم المساواة”.
ويتمثل الجانب الأول، بحسبها، في الفارق بين أشخاص ولدوا قبل سنة 1962 في الأراضي الخاضعة آنذاك للسيادة الفرنسية وفقدوا الجنسية الفرنسية أو تعذر عليهم إثباتها، وبين أشخاص آخرين من أصول أجنبية يمكنهم اليوم الحصول على الجنسية الفرنسية وفق إجراءات تعتبر أكثر مرونة.
أما الجانب الثاني فيتعلق بوجود تفاوت داخل الأسرة الواحدة، حيث احتفظ بعض الإخوة بالجنسية الفرنسية بينما فقدها آخرون بسبب اختلاف تاريخ الميلاد أو الإجراءات الإدارية التي اتخذت خلال تلك الفترة، وهو ما أدى إلى تباين في الوضع القانوني لأفراد العائلة الواحدة.
كما انتقدت البرلمانية الآليات المعمول بها حاليا، والتي تلزم الأشخاص المعنيين بالتقدم بطلبات إعادة إدماج أو تجنيس، معتبرة أن هذه الإجراءات لا تأخذ بشكل كاف خصوصية وضعهم التاريخي والقانوني بعين الاعتبار.
وأوضحت أنها تلقت شكوى من إحدى المقيمات في دائرتها الانتخابية تجسد، بحسبها، هذه الإشكالات.
وطالبت البرلمانية وزير الداخلية بتوضيح الإجراءات التي تنوي الحكومة اتخاذها لمعالجة هذه الحالات، ودراسة إمكانية تعديل الأنظمة القائمة بما يسهل الاعتراف بالجنسية الفرنسية أو إعادة الإدماج فيها بالنسبة للأشخاص المعنيين، بالنظر إلى أوضاعهم الخاصة المرتبطة بتاريخ الجزائر وفرنسا.
وفي صياغتها للسؤال، لم تحدد البرلمانية الفئة التي تقترح تسهيل إعادة إدماجها أو الاعتراف بحملها للجنسية الفرنسية، إن كان الأمر يتعلق بجميع الجزائريين المولودين قبل الاستقلال عندما كانت الجزائر تحت الإدارة الاستعمارية، أم يقتصر على فئات محددة تعيش اليوم في فرنسا أو ترتبط بإجراءات إدارية سابقة، وهو ما يترك نطاق المبادرة مفتوحًا أمام أكثر من تأويل تشريعي حول الفئات المعنية وشروط استفادتها المحتملة.
وتندرج هذه المسألة ضمن ملف معقد يعود إلى مرحلة استرجاع الجزائر لسيادتها عقب الاستقلال.
فبموجب التشريعات التي أعقبت اتفاقيات إيفيان واستقلال البلاد، تحددت أوضاع الجنسية وفق معايير قانونية وإدارية مختلفة، ما أدى على مر العقود إلى بروز نزاعات وطلبات فردية أمام الإدارات والمحاكم الفرنسية تتعلق بإثبات الجنسية أو استعادتها.
ويأتي طرح هذا الملف في وقت لا تزال فيه قضايا الذاكرة والعلاقات التاريخية بين الجزائر وفرنسا حاضرة بقوة في النقاش السياسي الفرنسي، حيث تتجدد بين الحين والآخر المطالب بمراجعة بعض النصوص القانونية المرتبطة بالفترة التي تلت الاستقلال مباشرة وما ترتب عنها من أوضاع قانونية وإنسانية مستمرة إلى اليوم، مثل ما يطرح حول اتفاقية التنقل والهجرة لسنة 1968 والتي يطالب اليمين الفرنسي بشدة بإلغائها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك