أحد الأخطاء الأكثر شيوعاً في المفاوضات هو الافتراض بأن من ينتصر في ميدان المعركة سينتصر أيضاً حول طاولة المفاوضات.
فقد تلقت إيران ضربة عسكرية قاسية للغاية، ومع ذلك فإن الاتفاق الذي يلوح في الأفق يدل على أن إنجازاً عسكرياً مبهراً لا يترجم بالضرورة إلى إنجاز سياسي موازٍ.
لقد انطلقت إسرائيل إلى الحرب مع ثلاثة أهداف معلنة: إزالة التهديد النووي، وإزالة التهديد الباليستي، وتغيير النظام.
غير أنه يصعب الآن الادعاء بأن أياً من هذه الأهداف تحقق بكامله؛ فالنظام بقي على حاله، والبنى التحتية التي تضررت يمكن إعادة ترميمها، ومسألة تخفيف منسوب تخصيب اليورانيوم أيضاً، التي يبدو ظاهراً أن إيران تعهدت بها، باتتمتعلقة بمفاوضات إضافية تستمر شهرين.
من السابق لأوانه جداً معرفة ما إذا كان الاتفاق الحالي أفضل مما تحقق في عهد أوباما – ذاك الاتفاق الذي هاجمه نتنياهو بشدة بما في ذلك في خطابه في الكونغرس.
بمعايير المفاوضات، فإن النصر العسكري لا يندرج في الاتفاق الذي يحقق أهدافه يظهر كإنجاز جزئي فقط.
رغم الدونية العسكرية، فهمت إيران بأن الزمن نقطة ضعف الغرب.
أوروبا خشيت من حرب طويلة، وتراكمت في الولايات المتحدة ضغوطات سياسية واقتصادية: انتخابات منتصف الولاية، أسعار النفط، التضخم المالي، أحداث العلم الوطنية، وأفق سياسي أقصر بكثير من أفق النظام الإيراني.
الزمن لدى واشنطن كلفة ينبغي تقليصها، أما لطهران فهو استثمار.
نظام بقاؤه هي البوصلة العليا، ومن أجله لا تعد معاناة المواطنين اعتباراً حاسماً، نظام أدرك عدم هزيمته ستحسّن مواقفه حول طاولة المفاوضات.
ثانياً، شخصت إيران بأن الطريق الأكثر نجاعة للتأثير على واشنطن تمر عبر دول الخليج.
الضغط على قطر، ذات النفوذ البارز في أروقة القوة الأمريكية، هائل ويستهدف تسريع المطلب الإقليمي لإنهاء القتال.
كما أن المؤشرات التي وصلت من عُمان التي ابتعدت بالتدريج عن دور الوسيط المحايد، عززت لدى طهران إحساساً بنجاح استراتيجيتها.
ثالثاً، أعادت إيران الربط بين الساحات، وأوضحت بأن المس بلبنان سيؤدي إلى تصعيد مباشر مع إيران.
وهكذا خلقت واقعاً باتفاق يشمل لبنان لمنع التدهور إلى حرب استنزاف إقليمية.
الدرس الهام ليس خوض إيران مفاوضات بشكل أفضل من الغرب.
الدرس هو أن المفاوضات تبدأ بفهم الخصم.
السؤال: ماذا سيفعل كل طرف إذا لم يتحقق اتفاق، وما الثمن الذي يمكن أن يدفعه لأجل استمرار المواجهة؟ لكن أيضاًتقدير البدائل الأكثر دقة لا يكفي إذا كنت لا تفهم من يجلس أمامك: أي قيم تحركه، وما مدى استعداده لتحمل الألم والثمن.
كما تجرى ألعاب الحرب قبل الخروج إليها، فالمطلوب أيضاً خوض “ألعاب المفاوضات”.
فالمعركة الحقيقية في الشرق الأوسط تبدأ غير مرة، بالذات بعد توقف النار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك