لقد أدى الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران إلى خيبة أمل إسرائيلية تجاه الرئيس ترامب، الذي يبدو أنه تراجع عن موقفه.
ويُذكّر هذا الشعور بالغضب الذي ساد البلاد تجاه الرئيس الفرنسي شارل ديغول، الذي كانت بلاده تُعتبر حليفًا وثيقًا لنا حتى ستينيات القرن الماضي، لكنها انسحبت من التحالف قبيل حرب الأيام الستة.
وبينما وُجّهت انتقادات لديغول، الذي وصف اليهود في غضبه بأنهم “شعب متغطرس ومتسلط”، أقرّ بن غوريون بأن الرئيس الفرنسي، الذي سحب بلاده من الجزائر، ظلّ قائدًا عظيمًا، وأنه تصرّف ببساطة لمصلحة بلاده.
اليوم، لا توجد لدينا قيادة تُصارح الشعب بالحقيقة غير الشعبوية، التي تُؤكد أن ترامب لم يعمل قط باسم إسرائيل، وهو بالطبع ليس ضدها.
فقد أدرك الرئيس، بحكمته، أنه إذا تعذّر هزيمة إيران، فمن الأفضل إنهاء الحرب والتركيز على السبب الجوهري لاندلاعها: القضاء على الخيار النووي.
في الواقع، يتسم ترامب بالثبات في سياسته الخارجية: فهو يؤمن بأن العالم مُقسّم إلى قوي وضعيف، لذا من الأفضل للطرف الخاسر أن يُقدّم تنازلات.
وفي موقفه من الحرب الروسية الأوكرانية، اقترح على زيلينسكي أيضاًالتوصل إلى حل وسط وإنهاء الحرب بأفضل نتيجة ممكنة.
وينطبق الأمر نفسه على آيات الله: فإذا نجا النظام من جهة، وإذا أمكن، بعد الحرب، مطالبته بالتخلي عن أسلحته النووية، فهذه هي النتيجة الأمثل لإسرائيل والعالم.
ففي نهاية المطاف، كانت إيران، قبل الحرب، مُستعدة لتحمّل مخاطر العزلة والعقوبات، بل وحتى المواجهة العسكرية، ما دامت لا تستسلم.
لكن إيران تستفيد أيضاً بلا شك: فمع رفع العقوبات والإفراج عن مواردها المالية، ستتمكن من التعافي، وإن كانت العملية معقدة نظراً لآثار الحرب المدمرة.
بعبارة أخرى: الاتفاق مع إيران ليس فشلاً ولا نصراً كاملاً.
ينبغي تطبيق هذه النظرة المعقدة للاتفاق أيضاً على فهم نتائج حرب إسرائيل الطويلة التي بدأت في 7 أكتوبر، والتي بلغت ذروتها بهذا الاتفاق.
على عكس تباهي نتنياهو هذا الأسبوع، فقد تحسن وضعنا وتدهور في آن واحد؛ فعلى جبهة غزة، هُزمت حماس ولم تعد تشكل تهديداً حقيقياً.
لكن المشكلة ليست في بقاء مقاتليها على الأرض بأسلحتهم، بل في أنه ما لم تُنفذ إسرائيل بنفسها خطة ترامب لإعادة إعمار القطاع، التي تتضمن قيام السلطة الفلسطينية والقوات العربية بحكمه، فلن يكون هناك أي تحول يُلحق الهزيمة الحقيقية بحماس.
وستكون النتيجة سعي القطاع الجريح للثأر في المستقبل.
وينطبق الأمر نفسه على لبنان.
فحزب الله، رغم طائراته المسيّرة، ليس هو نفسه التنظيم الذي هدد إسرائيل بالغزو وعشرات الآلاف من الصواريخ.
لكن ما دامت إسرائيل تُفضّل مواصلة القتال على توقيع اتفاقية سلام مع لبنان، ما قد يُطلق تحركًا لبنانيًا داخليًا لإخراج حزب الله، فلن نُحرز أي تقدم حقيقي في الشمال أيضاً.
فضلاً عن ذلك: من منظور دولي، يُلحق استمرار الحرب ضررًا بالغًا بصورة إسرائيل ومكانتها في العالم، وكذلك بصورة اليهود ومكانتهم.
كما أن اعتماد نتنياهو الكامل على ترامب يُولّد تبعية يصعب التخلص منها.
والسبب أن البدائل – الحزب الديمقراطي أو فصائل أخرى داخل الحزب الجمهوري – تتوجس منا.
والأسوأ من ذلك كله، أن إسرائيل لا تُدرك أن الاتفاق مع إيران إشارة إلى أن العالم قد سئم من حقبة حروب الشرق الأوسط، ويرغب في السعي نحو اتفاقيات الآن، لكن ما وعد به نتنياهو هذا الأسبوع ليس سوى الإصرار على الأراضي التي سيطرنا عليها في سوريا – الجبهة الوحيدة التي شهدت تغييرًا ملموسًا – في غزة ولبنان.
ومن الواضح أننا سنُجبر في النهاية، تحت ضغط دولي، على الانسحاب من هناك أيضاً، ولكن دون اتفاقيات سلام أو ضمانات للمستقبل.
بعبارة أخرى: بعد عامين ونصف من ذلك الحدث المروع في تاريخنا، تعافينا عسكرياً بالفعل، لكننا فشلنا في تحقيق ما اقترحه نتنياهو نفسه: “سنغير وجه الشرق الأوسط”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك