تتعرض الثقة بين الدول للاهتزاز عندما تتكرر الأزمات وتختبر الالتزامات السياسية والأمنية في لحظات الصراع، وفي الخليج أدت الهجمات الإيرانية التي استمرت أسابيع واستهدفت دول المنطقة إلى تعميق فجوة انعدام الثقة مع طهران، وأعادت إلى الواجهة هواجس تراكمت على مدى عقود في شأن سلوكها الإقليمي.
ورأت دول الخليج في استهداف أراضيها وبنيتها التحتية ومنشآتها الحيوية تطوراً تجاوز حدود التصعيد العسكري المرتبط بالحرب، وعكس نمطاً متكرراً في تعامل إيران مع محيطها الإقليمي، وفي ظل هذه التطورات باتت طهران تواجه تحدياً سياسياً وأمنياً كبيراً يتمثل في إعادة بناء الثقة مع جيرانها وإقناعهم بأنها شريك يمكن الاعتماد عليه في ترتيبات الأمن والاستقرار الإقليميين.
وقال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود إن الهجمات الإيرانية على السعودية ودول الخليج الأخرى أدت إلى" فقدان كبير للثقة" في إيران، مؤكداً أن إعادة بناء هذه الثقة تمثل أولوية تسبق أي حديث عن تعاون اقتصادي أو مشاريع استثمارية مشتركة.
وجاءت تصريحات وزير الخارجية السعودي رداً على سؤال في شأن تقارير تحدثت عن إنشاء صندوق لإعادة إعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار واحتمال مساهمة دول الخليج فيه، إذ شدد على أن الأولوية في المرحلة الحالية تتمثل في إعادة بناء الثقة وليس الحديث عن شراكات اقتصادية.
وأكد الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، خلال جلسة حوارية على هامش الاجتماع السنوي للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في العاصمة النمسوية فيينا، أن المملكة أدت دوراً خلف الكواليس في تشجيع الولايات المتحدة وإيران على التركيز على المسار الدبلوماسي، مشيراً إلى أن الرياض ستواصل العمل لمعالجة القضايا الإقليمية والدفع نحو اتفاق نووي يتضمن آليات تحقق ورقابة صارمة.
وأوضح أن أي اتفاق نووي سيظل عرضة للأخطار ما لم تعالج الملفات الإقليمية العالقة، مشيراً إلى ضرورة السير في مسارين متوازيين، الأول يتعلق بالمحادثات الأميركية - الإيرانية حول الملف النووي، والثاني يتناول القضايا الإقليمية الأوسع.
وفي ما يتعلق بالعلاقات السعودية - الإيرانية، قال إن العلاقات بين البلدين تراجعت خلال الأعوام الماضية، وإن الأولوية حالياً تتمثل في إصلاحها وإعادة بناء الثقة قبل الانتقال إلى أي تعاون اقتصادي أوسع.
وفي ملف مضيق هرمز، شدد وزير الخارجية السعودي على أن إدارة المضيق كانت تسير بصورة جيدة قبل الحرب، معرباً عن رفضه فرض ترتيبات أو آليات جديدة لإدارته، ومؤكداً أنه لا يرى مبرراً لتغيير الآلية القائمة.
فقدان الثقة وتفاؤل قطري حذرومن جانبها، أعربت قطر عن" تفاؤل حذر" بأن يسهم الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران في تعزيز الأمن الإقليمي، ودعت إلى حوار إقليمي لإعادة بناء الثقة مع طهران.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، خلال إحاطة صحافية أسبوعية في الدوحة، الثلاثاء، إن الدوحة تأمل في أن يقود توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران إلى مرحلة جديدة من الأمن الإقليمي من خلال المحادثات المرتقبة في شأن البرنامج النووي وقضايا أخرى.
وأشار إلى أن قطر أدت دوراً في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، وعملت من أجل استعادة الملاحة في مضيق هرمز واستمرار وقف إطلاق النار، مؤكداً أن الاتفاق الحالي يمثل خطوة أولى نحو توافق إقليمي أوسع يضمن استقرار المنطقة.
وأضاف الأنصاري أن الدوحة تواصل اتصالاتها مع مختلف الأطراف ضمن إطار الوساطة الباكستانية بهدف منع عودة التصعيد وتحقيق الاستقرار الإقليمي، معرباً عن أمله في أن يكون توقيع مذكرة التفاهم بداية لمفاوضات مستقبلية مثمرة.
فيما أكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربي جاسم البديوي، في أبريل (نيسان) الماضي، أن" الاعتداءات الإيرانية الغادرة" أدت إلى فقدان ثقة دول المجلس بإيران بصورة حادة، وهو ما يتطلب من طهران بذل جهود جادة لإعادة بناء هذه الثقة.
وفي تقرير بعنوان" تآكل الثقة ومستقبل العلاقات الإيرانية - الخليجية"، رأى المعهد الدولي للدراسات الإيرانية" رصانة" أن الحرب الإيرانية غيرت بصورة واضحة عن طبيعة التوازنات الإقليمية، وألحقت أضراراً كبيرة بما تحقق خلال الأعوام الماضية من تقدم في بناء آليات لخفض التوتر بين إيران ودول الخليج.
وأوضح أن انعدام الثقة بين الجانبين يعود إلى ما بعد الثورة الإيرانية عام 1979، وتعزز بفعل الخطاب الأيديولوجي الإيراني والتهديدات المتكررة لدول المنطقة، فيما عمقت موجات التصعيد الأخيرة الشكوك تجاه طهران بصورة أكبر.
وأشار إلى أن الهجمات الإيرانية على البنية التحتية المدنية، بما في ذلك الموانئ والمطارات ومنشآت الطاقة، شكلت سابقة خطرة وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وأعادت تعريف قواعد المواجهة في المنطقة.
ولفت إلى أن نحو 83 في المئة من الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت دول الخليج، مقابل 17 في المئة فقط استهدفت إسرائيل، وهو ما أسهم في ترسيخ صورة إيران كتهديد مباشر لأمن المنطقة.
ورجح أن تنظر دول الخليج إلى إيران بعين الريبة والحذر خلال الأعوام المقبلة، بعدما عزز نهج طهران تصورات التهديد وفاقمها، متوقعاً أن تعمل دول المجلس على تعزيز قدراتها الردعية، مع الإبقاء على دبلوماسية محدودة وشديدة المشروطية في التعامل مع إيران.
وفي سياق ذلك، يرى المتخصص في العلاقات الدولية أحمد الأنصاري في حديثه إلى" اندبندنت عربية" أن استعادة الثقة بين إيران ودول الخليج باتت" مهمة شبه مستحيلة" في ظل استمرار السلوك الإيراني الذي أثار مخاوف متراكمة لدى دول المنطقة.
وقال الأنصاري إن الهجمات الأخيرة، بما فيها استهداف الكويت على رغم عدم انتظامها في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، عمقت القناعة الخليجية بعدم إمكان الوثوق بالنظام الإيراني، مضيفاً أن التصريحات الخليجية المتكررة في شأن ضرورة إعادة بناء الثقة تعكس إدراكاً جماعياً بأن العلاقات لا يمكن أن تعود إلى مسارها الطبيعي من دون تغيير جذري في السلوك الإيراني.
وأشار إلى أن إعادة بناء الثقة لا تقتصر على التصريحات السياسية، بل تتطلب خطوات عملية تشمل وقف دعم الميليشيات المسلحة، ورفع اليد عن التدخل في شؤون الدول العربية الداخلية، والتوقف عن دعم الجماعات التي تهدد استقرار المنطقة.
وأضاف أن أي حديث عن تعاون اقتصادي أو استثمارات مستقبلية سيبقى مؤجلاً ما لم تقدم إيران ضمانات عملية يمكن التحقق منها، مؤكداً أن دول الخليج أصبحت تنظر إلى بناء الثقة باعتباره شرطاً أساساً يسبق أي انفتاح سياسي أو اقتصادي.
وختم الأنصاري بالقول إن" الدور الآن يقع على إيران إذا كانت ترغب في استعادة علاقاتها الطبيعية مع محيطها الخليجي، لكن المهمة تبدو شديدة الصعوبة في ظل إرث طويل من الأزمات والتدخلات التي جعلت الثقة المفقودة أكثر تعقيداً من أن تستعاد في المدى القريب".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك