باتت أوروبا تتحرك بخطى متسارعة نحو بناء ترسانة تجارية في مواجهة الصين، إذ كشفت صحيفة فايننشال تايمز، استنادًا إلى أربعة دبلوماسيين أوروبيين، أن ألمانيا وفرنسا وبولندا وهولندا وبلجيكا ستُطالب معًا، خلال قمة بروكسل، بمنح الاتحاد الأوروبي أداة تجارية جديدة تُخوّله فرض تعريفات جمركية وحصص استيراد بشكل سريع على الواردات الصينية، على غرار ما تفعله الولايات المتحدة عبر" القسم 301"؛ وذلك في ظل عجز تجاري متفاقم مع بكين يُهدد عشرات الملايين من الوظائف الأوروبية.
تشير الصحيفة البريطانية إلى أن هذه الفكرة لم تكن وليدة اللحظة، إذ أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الشهر الماضي، حين دعا إلى استنساخ أوروبي للأداة الأمريكية المعروفة بـ" القسم 301"، التي تتيح فرض تعريفات جمركية أو حصص استيراد على أي دولة تنتهج ممارسات تجارية غير عادلة، وهي الأداة ذاتها التي لجأت إليها إدارة ترامب لحماية الصناعة الأمريكية من الفيضان السلعي الصيني.
وبحسب ما أوردته فايننشال تايمز، نقلًا عن مسؤول أوروبي، فإن نطاق الأداة الجديدة لم يُحدَد بعد، غير أنها ستهدف إلى حماية الصناعة الأوروبية من الواردات الصينية وتقليل الاعتماد عليها في آنٍ واحد.
والتقطت برلين هذا المقترح بسرعة لافتة، في مؤشر على أن ثقل العواقب الاقتصادية بدأ يُزيح الحسابات الدبلوماسية التقليدية.
العجز التجاري يُشعل فتيل القلقتوضح فايننشال تايمز أن ما يدفع هذا التحالف الأوروبي إلى التسارع هو اتساع الفجوة التجارية المتفاقمة مع الصين، التي باتت تُلقي بظلالها على النسيج الصناعي الأوروبي برمته.
وكشف دبلوماسي أوروبي رفيع للصحيفة البريطانية، أن هيمنة الصين على حصص تتخطى 40 إلى 50 % في قطاعات إستراتيجية بعينها" قد تُهدد الأمن الاقتصادي الأوروبي"، لافتًا إلى أن هذه النسبة تتجاوز 70% في بعض الدول الأعضاء.
وأضاف الدبلوماسي ذاته، واصفًا الوضع بحدة: " إذا قرأتَ الخطة الخمسية الصينية، فستجد أنها هجوم صريح على السوق.
قررت الصين ألا تستورد شيئًا، وأن تضخ دعمًا حكوميًا هائلًا لبناء طاقات إنتاجية فائضة تُغرق أسواقنا بها".
وفي هذا الإطار، رصدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الاستخدام المكثف للدعم الحكومي الصيني، فيما دأبت بكين على نفي أي ممارسات تجارية غير مشروعة.
أدوات متهالكة وحلفاء مُستاؤونأشارت الصحيفة البريطاينة إلى أن التشدد الأوروبي يصطدم بعقبة جوهرية، تتمثل في قصور الأدوات الدفاعية القائمة وما تُسببه من أضرار جانبية، إذ كشف دبلوماسيون لفايننشال تايمز أن آلية الضمانات الأكثر فاعلية تُلحق أضرارًا واسعة؛ لأنها تُطبَق على نطاق عالمي دون تمييز، إذ أسفر قرار حماية صناعة الصلب الأوروبية عبر خفض الواردات منخفضة الرسوم بنسبة النصف وفرض تعريفة 50%، عن استياء حلفاء إستراتيجيين أبرمت معهم بروكسل اتفاقيات تجارة حرة، كسويسرا والمملكة المتحدة والهند واليابان.
أما" أداة مكافحة الإكراه" الأوروبية فرغم كونها أكثر دقة واستهدافًا، إلا أن دبلوماسيًا رفيعًا ثانيًا وصفها بأنها" يصعب تطبيقها"، وقد ظلت حبرًا على ورق منذ اعتمادها دون أن تُستخدم مرة واحدة.
على الصعيد السياسي، يبدو أن موجة إغلاق المصانع وتنامي البطالة باتت تُعجِّل بحسم هذا الملف.
وفي هذا السياق، وجّه رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي فيفر، رسالة مباشرة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، يدعوها إلى مواجهة ما وصفه بـ" التهديد المنهجي" الصيني، مُعترفًا بأن الطريق لن يخلو من أثمان باهظة: " هل نحن مستعدون لتحمل الألم؟ جوابي نعم، فقد بلغنا نقطة اللاعودة"، غير أن الصحيفة نبهت إلى أن بعض العواصم الأوروبية لا تزال متحفظة، لا سيما تلك المنفتحة على الاستثمار الصيني والخائفة من انتقام بكين، التي سبق أن ردت على قرار فرض تعريفات على سياراتها الكهربائية قبل عامين برفع رسوم الجمركية على الغذاء والشراب الأوروبي وتقييد صادراتها من المواد الخام الحيوية.
وفي المقابل، أعلنت فون دير لاين، على هامش قمة مجموعة السبع، أن المفوضية تعكف على دراسة أدوات دفاعية جديدة، من بينها" أداة تنويع" تُلزم الشركات الأوروبية بتعدد مصادر مدخلاتها لكسر التبعية الصينية في قطاعات المستقبل كالعناصر النادرة وبطاريات السيارات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك