من قلب عمامة الأزهر البيضاء، انبثق نور الوعي الذي بدد عتمة القرون، ولم يكن رفاعة رافع الطهطاوي مجرد عالم ديني لبعثة تعليمية سافرت إلى باريس، بل كان" بوصلة تاريخية" أعادت ضبط الزمن المصري على توقيت التقدم.
في رحلته الفكرية المثيرة، لم ينبهر الشيخ بـ" أضواء باريس"، بل تلمس بصيرته ليصيغ كتاب العمر" تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، فكان بمثابة الجسر الذي عبرت عليه مصر من ضفاف الركود إلى شواطئ النهوض، محولاً البعثة من مجرد نزهة معرفية إلى وثيقة ولادة جديدة للعقل المصري.
لقد أدرك الطهطاوي مبكرًا أن التعليم هو" مبتدأ" النهضة و" خبرها" الدائم، فلم يكتفِ بنقل العلم بل قام بتوطينه، وحين تولى مدرسة الألسن، لم يكن يدير مؤسسة للترجمة، بل كان يؤسس لـ" ثورة لغوية" ومصنع للعقول، حيث غدت الترجمة لديه فعل تمصير للملحمة الإنسانية.
ومن خلال مشروعه التجديدي، فكك الطهطاوي شفرة التقدم الغربي، مقدماً رؤية قوامها أن التجديد لا يعني التبديد، وأن مياه الحداثة يمكن أن تجري في قنوات الأصالة دون أن تلوثها.
تتجلى عبقرية الفتى الطهطاوي في قدرته الفذة على التوفيق بين التولع بالانفتاح والتورع لحفظ الهوية الوطنية.
لم يجد الشيخ حرجاً في الانحياز لقيم الحرية والدستور الفرنسي، لكنه أعاد صياغتها بلسان عربي مبين وبمرجعية إسلامية واعية، مؤكداً أن حداثة الوطن لا تعني خلع عباءته، وأن الغرب يُحاكى في علومه لا في عيوبه.
هذا التوازن الدقيق جعل من وطنيته درعاً يحمي الأمة من الذوبان، ومشرطاً يقطع دابر الجهل والتخلف.
إن الأثر الذي تركه رفاعة في الأجيال اللاحقة لم يكن مجرد سطور في كتاب، بل كان تياراً فكرياً جارفاً تخرجت منه قامات التنوير؛ فكل قلم حر كتب بعده، وكل مدرسة شيدت، وكل امرأة نالت حقها في التعليم بناءً على دعوته المبكرة في" المرشد الأمين"، كلهم مدينون لهذا الشيخ المجدد.
لقد كان رفاعة الطهطاوي، وبحق، المقاول الأول لـ" هندسة العقل المصري الحديث"، والذي أثبت للعالم أن مصر قادرة دائماً على هضم الحضارات دون أن تفقد ملامحها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك