قناة التليفزيون العربي - خدعة إسرائيل الأخيرة تتكشف وتحركاتها الأخطر تضعها وجها لوجه أمام إدارة ترمب الجزيرة نت - العالم يتنفس عبر هرمز لكن من يجرؤ على العبور؟ العربية نت - كونيا لاعب البرازيل يكشف سر احتفال "ركوب الأمواج" في كأس العالم CNN بالعربية - مونديال 2026>> لماذا ستكون مباراة تونس واليابان مناسبة عظيمة؟ Independent عربية - شعاب مرجانية قادرة على الصمود أمام أزمة المناخ الجزيرة نت - قصف لبنان يهدد التفاهم.. الإيرانيون بين المطالبة بالرد وخشية انهيار الاتفاق قناة التليفزيون العربي - مديرة الاستخبارات الأميركية تكشف الصندوق الأسود لأسرار فيروس كورونا│ تواصل قناة الجزيرة مباشر - Tunisian fans hold onto hope for a win against Japan Independent عربية - نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بوقف إطلاق النار في لبنان العربي الجديد - حزب الله: انتهاكات الاحتلال تجاوزت الـ300 منذ فجر الجمعة
عامة

الفلاسفة: شركاء تفكيرنا لا أوصياء على وعينا

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

ثمّة ظاهرة فكرية تتكرّر في النقاشات السياسية والاجتماعية والثقافية، تتمثّل في التعامل مع أقوال الفلاسفة والمُفكّرين العظماء بوصفها أحكامًا نهائية وشرعية تُحسم بها الخلافات وتُغلق بها أبواب النقاش. ففي...

ثمّة ظاهرة فكرية تتكرّر في النقاشات السياسية والاجتماعية والثقافية، تتمثّل في التعامل مع أقوال الفلاسفة والمُفكّرين العظماء بوصفها أحكامًا نهائية وشرعية تُحسم بها الخلافات وتُغلق بها أبواب النقاش.

ففي كثير من الأحيان، يُستدعى اسم مفكّر أو فيلسوف لإضفاء سلطة إضافية على رأي مُعيّن، وكأنّ قيمة الفكرة مُستمدّة من مكانة قائلها لا من قوّة حجّتها.

وبهذا يتحوّل الاقتباس من وسيلة لإثراء الحوار إلى أداة لوقفه، ومن مدخل للتفكير إلى بديل عنه.

غير أنّ هذا التصوّر يتعارض مع طبيعة الفلسفة ذاتها.

فالفلسفة لم تنشأ لتقديم يقينيات جاهزة أو حقائق نهائية، وإنما قامت على التساؤل والنقد وإعادة النظر في المُسلّمات.

ولم يكن الفلاسفة عبر التاريخ أصحاب أجوبة مُكتملة بقدر ما كانوا أصحاب مناهج في التفكير ومحاولات لفهم الواقع والإنسان والمعرفة.

ولذلك فإنّ القيمة الحقيقية لتراثهم لا تكمن فقط في النتائج التي توصّلوا إليها، بل في الأساليب العقلية التي استخدموها للوصول إليها.

إنّ تحويل أفكار الفلاسفة إلى نصوص لا يجوز الاقتراب منها أو مناقشتها يمثّل تناقضًا مع الروح المعرفية والعقلية التي انطلقت منها الفلسفة.

فمعظم المفكّرين الذين يُستشهد بهم اليوم اكتسبوا أهميتهم لأنهم تجرّأوا على مُساءلة الأفكار السائدة في عصورهم، ورفضوا التسليم بالمُسلّمات لمجرّد شيوعها أو ارتباطها بسلطات سياسية أو دينية أو اجتماعية.

ومن المفارقة أن يتحوّل فكر نشأ من ممارسة النقد إلى أداة تمنع النقد، أو أن تُستخدم أعمال دعت إلى التحرّر العقلي لتبرير الجمود الفكري.

إنّ الفلاسفة والمُفكّرين وكبار الأدباء في تاريخ الفكر البشري ليسوا أوصياء على وعينا، بل هم شركاء لنا في التفكير.

نقرأهم لنفكّر معهم لا لنتوقّف عندهم، نحاورهم لنوسّع أفق السؤال لا لنتخذ من أفكارهم ملاذاً يعوّض ضعف فهمنا أو فقر حِجَجِنا.

فالفكر الحرّ لا يعرف الأصنام، مهما علا شأن أصحابها.

كما أنّ طبيعة المعرفة الإنسانية نفسها تجعل من الصعب التعامل مع أيّ فكرة بوصفها صالحة بصورة مطلقة في جميع الأزمنة والظروف.

فالمعرفة عملية تراكمية ومُتغيّرة باستمرار، تتأثّر بتطوّر العلوم والخبرات الإنسانية والتحوّلات الاجتماعية والثقافية.

والأفكار التي يطرحها المفكّرون تنتمي بدورها إلى سياقات تاريخية مُحدّدة، وتعكس الأسئلة والإشكالات التي واجهت مجتمعاتهم.

ولهذا فإنّ فهمها يقتضي قراءتها في إطارها التاريخي لا التعامل معها باعتبارها حقائق فوق التاريخ.

لم تنشأ الفلسفة لتقديم يقينيات جاهزة أو حقائق نهائية، وإنما قامت على التساؤل والنقد وإعادة النظر في المُسلّماتومن هنا، فإنّ الاستفادة الحقيقية من التراث الفلسفي لا تتحقّق عبر تكرار الأقوال أو استحضارها بوصفها أدلة قاطعة، بل من خلال إخضاعها للنقاش وإعادة تقييمها في ضوء المعارف والظروف الجديدة.

فالفيلسوف الذي مارس التفكير النقدي لا يمكن أن يكون هدفه إنتاج أتباع يردّدون كلماته، بل أفرادًا قادرين على ممارسة الاستقلال الفكري الذي مارسه هو نفسه.

إنّ جوهر الفلسفة يكمن في تنمية القدرة على التفكير الحر، لا في استبدال سلطة فكرية بأخرى.

وتتجلّى الإشكالية بصورة أوضح عندما تُستخدم أسماء المُفكّرين في الصراعات السياسية أو الأيديولوجية.

ففي مثل هذه الحالات، لا يكون الهدف غالباً فهم الفكرة أو اختبار صلاحيتها، وإنّما توظيف المكانة الرمزية لصاحبها لتدعيم موقف مُسبق.

وهكذا، يتحوّل المُفكّر إلى مجرّد شاهد يُستدعى لإضفاء الشرعية على رأي مُعيّن، بينما تُهمل الجوانب الأخرى من فكره أو تُستبعد القراءات النقدية التي قد تُفضي إلى نتائج مختلفة.

وعندئذ، يصبح الاقتباس أداة دعائية أكثر منه ممارسة معرفية.

وتكمن خطورة هذا الأسلوب في أنّه ينقل النقاش من تقييم الأفكار إلى تقييم أصحابها.

فبدلًا من التساؤل عن مدى صحة الفكرة أو انسجامها مع الواقع، ينصرف الاهتمام إلى مكانة قائلها.

غير أنّ تاريخ الفكر يبيّن بوضوح أنّ العظمة الفكرية لا تعني العصمة من الخطأ، وأنّ كثيرًا من المُفكّرين الكبار قدّموا رؤى عميقة في بعض القضايا وأخفقوا في أخرى.

على سبيل المثال لا الحصر، اعتمد كارل ماركس بشكل كبير على التفسير الاقتصادي للتاريخ وأهمل الجوانب الثقافية والدينية والنفسية والتجارب الفردية.

كما أنّه تنبّأ بحتمية انهيار النظام الرأسمالي العالمي ولم يتحقّق ذلك.

كذلك وُصِفت فلسفة فريدريش هيغل بالتعقيد والتجريد.

كما يؤخذ عليه تبريره المُفرط لسلطة الدولة على حساب الحريات الفردية، وكذلك فلسفته التي تبرّر لكلّ نتيجة على اعتبارها ضرورة تاريخية.

أمّا الفيلسوف العظيم إيمانويل كانط، فقد أُخِذ عليه خضوع النظام الأخلاقي عنده لقواعد مُطلقة وصارمة وقد تؤدي إلى نهايات ونتائج لاإنسانية في بعض الحالات.

هذا ما يدفعنا للقول إنّ قيمة الفكرة لا تتحدّد بشهرة ومكانة صاحبها العلمية والمعرفية، بل بقدرتها على الصمود أمام النقد والاختبار العقلي والتجريبي.

إن جوهر الفلسفة يكمن في تنمية القدرة على التفكير الحر، لا في استبدال سلطة فكرية بأخرىولا يعني ذلك التقليل من أهمية الفلاسفة أو إنكار أثرهم في تطوّر الفكر الإنساني.

فتراثهم يظلّ مصدرًا أساسيًا للفهم والتحليل وإعادة التفكير في قضايا الإنسان الفكرية والأخلاقية والعلمية والاجتماعية والتاريخية والمعرفية.

لكن احترام هذا التراث لا يتحقّق بتقديسه أو تجميده، وإنّما بالتفاعل النقدي معه، والاستفادة ممّا يقدّمه من رؤى وأدوات فكرية، مع الاحتفاظ بحقّ المراجعة والاختلاف.

إنّ الفكر الحي هو الفكر القادر على تجديد نفسه باستمرار وإثارة أسئلة جديدة، أمّا عندما يتحوّل إلى مجموعة من الإجابات الثابتة التي تُردّد من دون تمحيص، فإنّه يفقد وظيفته المعرفية تدريجيًا ويأخذ بُعدًا إيديولوجيًا إنطوائيًا.

ولذلك فإنّ أفضل طريقة لتكريم الفلاسفة ليست في التعامل معهم بوصفهم مراجع نهائية، بل في مواصلة الممارسة الفكرية التي دعوا إليها، والمُتمثّلة في ممارسة الفلسفة في السؤال والنقد والبحث المستمر عن فهم أعمق للواقع.

فالوفاء الحقيقي لإرثهم العظيم والقيّم لا يكون بجعل أقوالهم فوق النقاش، بل بإبقائها داخله؛ موضوعًا للفحص والتطوير والمراجعة.

وعندما نتعامل مع أفكارهم بهذه الروح نكون قد حافظنا على جوهر الفلسفة باعتبارها نشاطًا عقليًا مفتوحًا لا يتوقّف عند سلطة اسم أو شهرة صاحب رأي.

أما حين تتحوّل أسماء المُفكّرين إلى أدوات لإغلاق الحوار، فإنّنا نبتعد عن الرسالة التي سعوا إلى ترسيخها، ونستبدل البحث عن الحقيقة بالاحتماء بسلطة الرموز، وهو ما يتناقض مع الأساس الذي قامت عليه الفلسفة منذ نشأتها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك