المنهج الإسلامي وتقديم الحلول العملية للمشكلاتبعض الدعاة والوعاظ يسيئون للإسلام من حيث لا يدرون، ومن صور هذه الإساءة الاقتصار خلال التطرق إلى أزمات الناس على الأمر بتقوى الله والتوجه إليه بالدعاء والعبادة، دون تقديم حلول عملية.
ولا يخفى أن الدراما قد أخطأت في تعميم هذه النماذج، وجعلتها كأنها تعبر عن اتجاه عام لدى القائمين على الدعوة والوعظ والإرشاد.
لكن على كل حال، هذا التوجه الدعوي الوعظي موجود، وينبغي بيان أنه قد خالف المنهج الإسلامي الرصين الذي يجمع في حل الأزمات بين الحل الإيماني والحل العملي، اتساقًا مع حقيقة التوكل على رب العالمين، حين يلتجئ العبد إلى ربه ويلوذ بجنابه ويدعوه خوفًا وطمعًا، وفي نفس الوقت يباشر الأسباب، وعينه على سنن الله في خلقه، والذي جعل لكل شيء سببًا، فهو الذي أمر نوحًا عليه السلام ببناء سفينة النجاة مع قدرته تعالى على إنجائه ومن معه من المؤمنين بلا سفن، وقال لمريم أم المسيح: (هزي بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا) وهو القادر على رزقها دون أن تحرك ساكنًا.
إن حقيقة الجمع بين مسلكي الإيمان والحلول العملية في التعامل مع الأزمات والمشكلات هو صلب المنهج الإسلامي القويم، ولم يشهد عهد النبوة والقرون المفضلة هذا الخلل الذي أصاب الأفكار اليوم.
ولنتناول مثالًا في العهد النبوي لمواجهة مشكلة الفقر، لم يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في علاجها على الأمر بالتقوى والصبر والالتجاء إلى الله فحسب، وإنما استخدم أساليب متنوعة تتكامل فيها الأسباب الإيمانية مع الحلول العملية، فربط العمل بالمنظومة الإيمانية والخيرية، فقال حاثًا على العمل والكسب: (ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده).
ولم يقتصر في هذا التوجيه على التحفيز، بل فتح آفاقًا للعمل وبذل أفكارًا ثرية للتكسب، منها الإرشاد إلى استصلاح الأراضي كما في قوله (من أحيا أرضا ميتة فهي له)، ومنها العمل بالتجارة كما في قوله: (لأن يأخذ أحدكم حَبْله فيأتي الجبل فيجيء بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)، ويلاحظ هنا أنه لم يكتف بالتعميم والإرشاد إلى التجارة بشكل عام دون تفصيل، وإنما وجّه إلى الاحتطاب، باعتباره تجارة لا تحتاج إلى رأس مال، فمن ثم تتناسب مع أدنى الظروف التي يمكن أن يكون عليها الإنسان.
إضافة إلى ذلك، قدم النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة مشكلة الفقر، معالجة شاملة ذات مراحل تفصيلية، فعندما جاءه من يسأله الصدقة، سأله النبي عما يملكه، فأخبره الرجل أنه ليس في داره سوى كساء من الشعر وقدح للشرب، فأتي بهما النبي وعرضهما للبيع، وباعهما بدرهمين، فأعطى الرجل درهمًا يشتري به طعاما لأهل بيته، واشترى بالآخر آلة للنجارة تسمى القدوم، وأمره أن يذهب ليحتطب، فجاءه الرجل بعد خمسة عشر يومًا وقد ربح من ذلك ربحًا طيبًا.
هذا المنهج النبوي هو الذي سارت عليه القرون المفضلة التي أدرك أهلها أن الأخذ بالأسباب العملية ينبغي أن يكون حاضرًا في التعامل مع أي مشكلة أو أزمة، جنبًا إلى جنب مع الأسباب الإيمانية من توكل ودعاء وصدق اللجوء إلى رب العباد.
والإمام الشعبي من أشهر التابعين، قد ولد في خلافة أمير المؤمنين عمر، مر يومًا بإبل قد فشا فيها الجرب فقال لصاحبها: أما تداوي إبلك؟ فقال: إنَّ لنا عجوزا نتّكل على دعائها.
فقال الشعبي: اجعل مع دعائها شيئا من القطران، يعني أن يدهن جسد الإبل بالقطران للتغلب على الجرب.
هذا هو المنهج الإسلامي الذي لا يُسأل عن خلل أتباعه في التطبيق، فما من خلل داهم أفكار المسلمين إلا من خلال النأي عن المنهج الأصيل، وإنما أثرت هذه القضية لأنها أحد وجهي التطرف في مواجهة الأزمات، فالوجه الآخر هو الركون إلى الأسباب العملية والاعتماد عليها مع نسيان الاعتماد على الله واللجوء إليه، والدخول في هذا النطاق بشكل مادي بحت يجرد الإنسان من أدب العبودية لرب العالمين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك