عندما أُطلقت رؤية المملكة 2030 قبل نحو عقد من الزمن، لم يكن القطاع غير الربحي مجرد قطاع داعم للعمل الاجتماعي والخيري، بل كان أحد المحركات المستهدفة لبناء «وطن طموح» يقوم على مشاركة المجتمع في التنمية وتعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي.
واليوم، وبعد مرور عشر سنوات على إطلاق الرؤية، تكشف الأرقام الواردة في التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025 أن القطاع غير الربحي لم يعد قطاعاً هامشياً، بل أصبح شريكاً حقيقياً في التنمية الوطنية.
وتُظهر البيانات أن مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي ارتفعت من 0.
2% في عام 2015 إلى 1.
4% في عام 2024، أي بزيادة تعادل سبعة أضعاف خلال أقل من عقد.
ورغم أن المستهدف النهائي للرؤية يتمثل في الوصول إلى 5% بحلول عام 2030، فإن المسار الحالي يعكس تقدماً متسارعاً يؤكد نجاح الإصلاحات التي شهدها القطاع خلال السنوات الماضية.
هذا النمو لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة حزمة واسعة من الإصلاحات التنظيمية والمؤسسية التي أعادت تشكيل بيئة العمل غير الربحي في المملكة.
ومن أبرز هذه الإصلاحات تأسيس المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، الذي لعب دوراً محورياً في إعادة تنظيم القطاع، وتحديد الأدوار والمسؤوليات، وتمكين الجمعيات والمؤسسات من العمل وفق نماذج أكثر احترافية واستدامة.
كما ساهم إنشاء الوحدات الإشرافية في الجهات الحكومية المختلفة في تسهيل تأسيس المنظمات غير الربحية وتسريع إجراءاتها، إضافة إلى تقديم الدعم المؤسسي والاستشاري الذي مكّن العديد من الجهات من تطوير أعمالها وتعزيز أثرها التنموي.
ولعل من أهم التحولات التي شهدها القطاع خلال السنوات الماضية هو انتقاله من الاعتماد على التبرعات التقليدية إلى البحث عن مصادر تمويل أكثر استدامة.
وهنا برزت الأوقاف كأحد أهم روافد التمويل التنموي، حيث شهدت المملكة تطويراً واسعاً للأنظمة الوقفية وإطلاق محفزات عديدة لتشجيع تأسيس الأوقاف وزيادة إيراداتها، إلى جانب إنشاء صناديق ومؤسسات وقفية متخصصة في مجالات تنموية متنوعة، ولم يقتصر أثر القطاع غير الربحي على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتد إلى تعزيز المشاركة المجتمعية ورفع مستوى المسؤولية الاجتماعية بين أفراد المجتمع.
ويظهر ذلك بوضوح في القفزة الكبيرة في أعداد المتطوعين، حيث ارتفع عددهم من 22.
9 ألف متطوع فقط في عام 2015 إلى نحو 1.
75 مليون متطوع في عام 2025، وهو إنجاز يعكس نجاح المملكة في ترسيخ ثقافة العمل التطوعي وتحويلها إلى ممارسة مجتمعية واسعة النطاق.
كما برز دور القطاع غير الربحي في العديد من البرامج الوطنية، ومن أبرزها قطاع الإسكان التنموي، الذي أصبح نموذجاً ناجحاً للتكامل بين القطاع الحكومي والخاص وغير الربحي.
فقد أسهمت المنصات الرقمية الحديثة في تسهيل وصول الدعم إلى الأسر الأكثر احتياجاً، ورفع مساهمة الأفراد والمؤسسات في توفير الحلول السكنية، مما انعكس بشكل مباشر على جودة الحياة والاستقرار الأسري.
ولم يقتصر التطوير على الجوانب التمويلية والتنظيمية فقط، بل امتد إلى بناء منظومة حوكمة متقدمة عززت الشفافية والمساءلة ورفعت مستوى الثقة في القطاع.
فقد أسهمت قواعد حوكمة الجمعيات والمؤسسات الأهلية في ترسيخ ممارسات الإفصاح والرقابة الداخلية وإدارة تعارض المصالح، وألزمت الجمعيات الكبرى بتشكيل لجان متخصصة للمراجعة والترشيحات والمكافآت، بما يضمن كفاءة إدارة الموارد وحماية أموال المتبرعين والمستفيدين.
كما عززت هذه القواعد دور مجالس الإدارات في الرقابة على الأداء المالي والتشغيلي، ورفعت مستوى الإفصاح عن العقود ذات العلاقة والمكافآت والقرارات الجوهرية، الأمر الذي أسهم في زيادة الثقة لدى المانحين والجهات الداعمة والمستفيدين.
ومع ارتفاع معايير الامتثال والشفافية، أصبحت الجمعيات والمؤسسات الأهلية أكثر قدرة على استقطاب التمويل وبناء الشراكات وتحقيق الاستدامة المالية، كما ساعدت الحوكمة على تحويل العديد من المنظمات غير الربحية من كيانات تعتمد على الجهود الفردية إلى مؤسسات تعمل وفق سياسات وإجراءات واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
وأصبح الالتزام بالحوكمة اليوم عاملاً رئيساً في رفع كفاءة الإنفاق، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين، وتعزيز قدرة القطاع على التوسع والنمو واستقطاب الكفاءات والخبرات المتخصصة، مما جعل الحوكمة أحد أهم الممكنات التي تدعم استدامة القطاع وتزيد قدرته على تحقيق أثر تنموي واقتصادي طويل الأجل.
وتشير مؤشرات الرؤية كذلك إلى أن نسبة العاملين في القطاع غير الربحي من إجمالي القوى العاملة شهدت نمواً ملحوظاً، ما يعكس تحول القطاع إلى مولد حقيقي للوظائف وفرص العمل، وليس مجرد قناة للعمل التطوعي أو الخيري فقط.
وعند النظر إلى التجربة السعودية في هذا المجال، يمكن القول إن القطاع غير الربحي أصبح نموذجاً فريداً يجمع بين الأثر الاجتماعي والعائد الاقتصادي.
فكل جمعية ناجحة، وكل وقف مستدام، وكل مبادرة تطوعية فعالة، تسهم في تخفيف العبء على الخدمات العامة، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وفي الوقت نفسه تخلق فرص عمل وتدعم النشاط الاقتصادي.
ومع دخول رؤية المملكة 2030 مرحلتها الثالثة، يبدو أن القطاع غير الربحي أمام فرصة تاريخية لمضاعفة أثره ومساهمته في الاقتصاد الوطني.
فالأرقام الحالية تؤكد أن القطاع يسير على الطريق الصحيح، لكن الوصول إلى مستهدف 5% من الناتج المحلي الإجمالي يتطلب استمرار تطوير التشريعات، وتعزيز الحوكمة، ورفع كفاءة المنظمات، وتوسيع نطاق الاستثمار الوقفي.
لقد أثبتت السنوات العشر الماضية أن الاستثمار في القطاع غير الربحي ليس عملاً خيرياً فقط، بل استثمار في الإنسان والمجتمع والاقتصاد معاً.
وما تحقق حتى اليوم يمثل بداية مرحلة جديدة قد تجعل المملكة واحدة من أبرز التجارب العالمية في توظيف القطاع غير الربحي كأداة تنموية واقتصادية مستدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك