عندما التقى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مع الرئيس الصيني، شي جين بينغ، في بكين، في مايو الماضي، كان يحمل معه قدراً كبيراً من النفوذ الاستراتيجي الذي أغفله معظم المراقبين.
وركزت التحليلات، التي أعقبت الاجتماع، على هيمنة الصين على المعادن النادرة، والتي استخدمتها بكين بمهارة في أكتوبر 2025 رداً على رفع ترامب للرسوم الجمركية.
وتوافقت الإجراءات المشددة التي اتخذتها واشنطن مع تلك الرامية إلى منع وصول أشباه الموصلات المتطورة، والتقنيات ذات الصلة المعززة بالذكاء الاصطناعي إلى الصين.
لكن قبل أسابيع عدة من اجتماع بكين، وقّع وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، اتفاقية شراكة تعاون دفاعي مع نظيره الإندونيسي، وزير الدفاع، شافري شامسودين، في واشنطن.
يأتي ذلك، في أعقاب ترتيبات تعاون دفاعي مماثلة تربط الولايات المتحدة بجيران إندونيسيا في الشمال: تايلاند في عامي 1954 و1962، وسنغافورة في عام 2005، وماليزيا في أكتوبر 2025.
وتسيطر الدول الأربع مجتمعة على السواحل الشمالية والجنوبية لمضيق ملقا، الذي يُعد الممر الاستراتيجي الأهم في العالم، بل وأكثر أهمية حتى من مضيق هرمز.
ويقع مضيق ملقا في الطرف الغربي للأرخبيل الإندونيسي الشاسع، الذي يضم أكثر من 17 ألف جزيرة، منها 6000 مأهولة بالسكان.
ويبلغ عرض مضيق ملقا في أضيق نقطة له 1.
7 ميل فقط، في حين أن مضيق هرمز أوسع منه بتسعة أضعاف في أضيق نقطة له، حيث يبلغ العرض أكثر من 20 ميلاً بين الساحل الجنوبي لإيران والطرف الشمالي لعمان.
وهو العنصر الأكثر عرضة للخطر في «الطريق السريع البحري» الذي يربط أسواق شرق آسيا عبر بحر الصين الجنوبي وعبر المحيط الهندي بمصدري الطاقة في الشرق الأوسط، وبثروات الموارد الطبيعية في جميع أنحاء القارة الإفريقية، وبأسواق الاستهلاك المزدهرة في جميع أنحاء أوروبا عبر البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط.
وفي النصف الأول من عام 2025، عبر مضيق ملقا يومياً ما يزيد على 23 مليون برميل من النفط في المتوسط، متجاوزاً بذلك مضيق هرمز الذي يبلغ معدل المرور فيه 21 مليون برميل، ما يجعل مضيق ملقا أكبر ممر بحري ضيق لنقل النفط في العالم.
وبالنسبة للصين، يُعد مضيق ملقا عنصراً أساسياً من الناحية الهيكلية لقوتها الاقتصادية والوطنية.
ويتم شحن نحو 80% من وارداتها النفطية عبر مضيق ملقا، الذي يمثل 60% من إجمالي إمداداتها من النفط الخام.
كما يمر نحو 60% من واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق ملقا، الذي يمثل أيضاً نحو ثلثي إجمالي تجارة الصين من حيث القيمة.
ويُعد حجم تجارة السلع الأساسية، باستثناء النفط والغاز الطبيعي المسال، عبر المضيق مذهلاً، فخام الحديد والفحم والنحاس وفول الصويا وزيت النخيل والأرز، فضلاً عن البتروكيماويات والأسمدة وغيرها من المنتجات الثانوية المكررة والمعالجة للهيدروكربونات الصناعية والاستهلاكية، إلى جانب السلع المصنعة والإلكترونيات والآلات المتطورة، تتدفق في جميع الاتجاهات بين شرق آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا.
ويمر أكثر من ربع إجمالي التجارة البحرية العالمية، التي تبلغ قيمتها 3.
5 تريليونات دولار، عبر مضيق ملقا، حيث يمر عبره 100 ألف سفينة سنوياً.
وفي إطار شراكة التعاون الدفاعي، ستقوم الولايات المتحدة وإندونيسيا «باستكشاف مبادرات مطورة متفق عليها بشكل متبادل، بما في ذلك التطوير المشترك لقدرات رائدة في تقنيات الدفاع من الجيل التالي في مجالات الأنظمة البحرية وتحت سطح البحر والأنظمة ذاتية التشغيل، والتعاون في مجال دعم الصيانة والإصلاح والتجديد لتحسين الجاهزية التشغيلية».
ويُعد العنصر الأكثر أهمية من الناحية العملياتية في هذه الشراكة هو «خطاب النوايا» الذي وقعه هيغسيث وشامسودين، والذي فتح الباب أمام إمكانية دخول الطائرات العسكرية الأميركية إلى المجال الجوي الإندونيسي.
غير أن جاكرتا تراجعت لاحقاً عن هذا الالتزام علناً، مؤكدة أن إندونيسيا «لم تتعهد بأي التزام تجاه الولايات المتحدة بشأن المجال الجوي».
ولا شك أن بكين تدرك أن الدبلوماسية العامة لا تعكس التفاهمات السرية التي يمكن تفعيلها في حالة وقوع أزمة.
ويجري حالياً تنفيذ الاتفاقية بين الولايات المتحدة وإندونيسيا، مع التركيز على تعزيز التحديث العسكري والتدريب والتعليم والتدريبات والتعاون العملياتي.
ولكن على طول الساحل الجنوبي لمضيق ملقا الذي يمتد لمسافة 550 ميلاً في إندونيسيا، يظهر سياق دبلوماسي خفي قوي، إذ تعمل إدارة ترامب على بناء إطار للهيمنة البحرية يتألف من توسيع نطاق الوصول إلى المجال الجوي، وتعزيز الوعي بالمجال الإقليمي، وتعزيز عمليات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الجوية لضمان مرور آمن للممرات البحرية، وحماية القوات، والمراقبة المستمرة.
عن «ناشيونال إنترست».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك