الجزيرة نت - "لديهم وود ولدينا صلاح".. حسام حسن واثق من تحقيق إنجاز تاريخي في كأس العالم الجزيرة نت - بالفيديو.. دي لافوينتي يكشف موقف لامين جمال من مباراة السعودية الجزيرة نت - بعد 10 سنوات على بريكست.. لا أوروبا انهارت ولا بريطانيا ازدهرت إعلام العرب - القضاء الفرنسي يؤكد إحالة أشرف حكيمي إلى المحاكمة بتهمة الاغتصاب وكالة شينخوا الصينية - منتدى للنشر يستكشف الفرص والتحديات مع إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل صناعة النشر إعلام العرب - مجلس الأمن يحذر من هجوم واسع “للدعم السريع” على منطقة الأبيض في السودان روسيا اليوم - رغم تعادل كوراساو مع الإكوادور.. إيلوي روم يسجل رقما تاريخيا في كأس العالم 2026 الجزيرة نت - أول تصريح من ديك أدفوكات بعد التعادل التاريخي لكوراساو في المونديال إعلام العرب - معارك بين الجيش اليمني والحوثيين جنوب وغرب اليمن وكالة شينخوا الصينية - مقتل شخصين وإصابة آخر في حادث إطلاق نار بولاية كونيتيكت الأمريكية
عامة

جو 24 : حين يسافر الجسد ويبقى الوطن معلّقًا على جدار القلب

جو 24
جو 24 منذ ساعتين

وصلتُ مساء يوم الجمعة إلى جنوب غرب لندن، في زيارةٍ تمتد ثلاثة أسابيع، جئتُ فيها لأستمتع بصحبة حفيدي نارت، ولأعيش قربه تلك التفاصيل الصغيرة التي تمنح العمر معنى لا تستطيع السنوات وحدها أن تمنحه. فالأحف...

ملخص مرصد
ابن الكاتب رائد يعيش في لندن بعد خدمته في الجيش العربي الأردني. الرتب والشارات المعلقة على الجدار تذكرنا بأيام الخدمة. الوطن لا يبقى خلفنا حين نسافر، نحن الذين نحمله معنا.
  • ابن الكاتب رائد يعيش في لندن
  • الرتب والشارات تذكرنا بأيام الخدمة
  • الوطن لا يبقى خلفنا حين نسافر
من: ابن الكاتب رائد أين: جنوب غرب لندن

وصلتُ مساء يوم الجمعة إلى جنوب غرب لندن، في زيارةٍ تمتد ثلاثة أسابيع، جئتُ فيها لأستمتع بصحبة حفيدي نارت، ولأعيش قربه تلك التفاصيل الصغيرة التي تمنح العمر معنى لا تستطيع السنوات وحدها أن تمنحه.

فالأحفاد لا يضيفون أيامًا إلى أعمارنا فحسب، بل يعيدون إلينا طفولةً ظننّا أنها غابت، ويجعلون القلب يبدأ من جديد، كأن الزمن حين يمرّ بهم يتراجع قليلًا ليمنحنا فرصة أخرى للحب.

وفي بيت ابني الدكتور رائد، وقعت عيناي على هذه الرتب والشارات التي ما زال يحتفظ بها منذ خدمته في الجيش العربي الأردني والخدمات الطبية الملكية.

كانت معلّقة أمامي في صمت، غير أن صمتها لم يكن فراغًا؛ كان ممتلئًا بأصوات الأيام، وخطوات الجنود، ونداء الواجب، ووجوه المرضى، وبذلك الشعور العميق الذي لا يعرف معناه إلا من ارتدى شرف الخدمة يومًا، وحمل مسؤولية الوطن فوق كتفيه وفي ضميره.

ليست هذه الرتب مجرد قطعٍ من القماش والمعدن، وليست آثارًا لمهنة انتهت أو مرحلة طواها الزمن.

إنها أجزاء من سيرة إنسان، وشواهد على زمنٍ عاشه ابني بين الانضباط والرحمة، وبين هيبة الجندية وقداسة الطب.

لقد كانت الرتبة على كتفه، لكن معناها كان في قلبه؛ لأن الرتب قد تُنزع عن الزي، أما القيم التي غرستها فلا تُنزع من الروح.

مضى على مغادرته الخدمة أكثر من عشر سنوات، وتغيّرت المدن والطرقات، وانتقلت حياته من سماء الأردن إلى سماء جنوب غرب لندن، لكنه ما زال حين يتحدث عن الجيش العربي الأردني والخدمات الطبية الملكية يتحدث بلغة الحنان.

ولا يستعمل الحنان عادةً في الحديث عن المؤسسات العسكرية، لكنني أدركت أن الإنسان لا يحنّ إلى المباني والرتب وحدها، بل يحنّ إلى الجزء من نفسه الذي وُلد هناك؛ إلى شبابه، وزملائه، وأيام الخدمة، وإلى الوطن حين كان يراه كل صباح في العلم والزي والتحية والواجب.

كان صوته وهو يستعيد تلك السنوات يشبه صوت من يتحدث عن بيتٍ قديم غادره، لكنه لم يغادره من الداخل.

فبعض الأماكن نسكنها زمنًا، وبعضها يسكننا إلى الأبد.

والجيش العربي الأردني والخدمات الطبية الملكية لم يكونا في حياته مجرد مكانٍ للعمل، بل كانا مدرسةً صاغت في داخله معنى الالتزام، وربطت الطب بالواجب، والعلم بالشرف، وخدمة الإنسان بخدمة الوطن.

قد يبتعد الإنسان عن بلاده آلاف الأميال، لكن المسافة لا تستطيع أن تقيس مقدار الوطن في قلبه.

فالوطن ليس حدودًا نغادرها عند بوابة المطار، ولا عنوانًا يُكتب في جواز السفر، ولا أرضًا نراها فقط حين نعود إليها.

الوطن هو ذلك الصوت الخفي الذي يرافقنا في الغربة، وهو القيم التي تظهر في أفعالنا، وهو الاسم الذي يلمع في أعيننا حين يُذكر، حتى لو حاولنا أن نخفي الشوق وراء الكلمات.

الأردن، بالنسبة إلى ابني رائد، ليس ذاكرةً ساكنة، بل حضورٌ يوميّ يتجسد في أخلاقه وعمله وطريقته في خدمة الناس.

واليوم، وهو يمارس رسالته الطبية في جنوب غرب لندن، ما زالت روح الطبيب العسكري الأردني حاضرةً فيه: في دقته، وانضباطه، ورحمته، وصبره، واحترامه لقدسية الحياة.

تغيّر مكان الخدمة، لكن جوهر الرسالة لم يتغيّر؛ لأن من تعلّم أن الطب أمانة لا يحصر أمانته في مكان، ومن خدم الإنسان تحت راية الوطن يظل يخدم وطنه حتى عندما يعمل تحت سماء أخرى.

وأنا أنظر إلى تلك الرتب، وإلى حفيدي نارت الذي يجري في البيت غير مدرك بعدُ لكل ما تحمله هذه الشارات من تاريخ، شعرت بأن الانتماء ينتقل بين الأجيال بصمت.

ينتقل من أبٍ عرف معنى الوطن، إلى ابنٍ خدمه، ثم إلى حفيدٍ سيكبر يومًا ويسأل عن تلك الرتب المعلقة على الجدار.

وعندها سيدرك أن جده لم يكن ينظر إلى قطعٍ قديمة، بل كان يقرأ سيرة أبيه، ويرى فيها الأردن حاضرًا في بيتٍ بعيد.

ربما لهذا نحتفظ بالأشياء القديمة؛ لا لأننا نعجز عن مغادرة الماضي، بل لأننا نخشى أن تضيع المعاني التي صنعها فينا.

فالذاكرة ليست إقامةً في ما مضى، وإنما جسرٌ نحمل عبره قيمنا إلى من يأتي بعدنا.

وهذه الرتب ليست نهاية قصة، بل بدايتها المتجددة كلما نظر إليها نارت، وكلما سأل عنها، وكلما سمع اسم الجيش العربي الأردني والخدمات الطبية الملكية مملوءًا بالفخر والامتنان.

هذه الشارات لا تقول فقط: لقد خدمتُ وطني يومًا.

بل تقول: لقد خَدَمني الوطن أيضًا؛ علّمني، وصاغني، ومنحني قيمًا أحملها معي أينما ذهبت.

فالانتماء الحقيقي لا تقيسه المسافات، ولا تمحوه الغربة، ولا تنتهي صلاحيته بانتهاء الوظيفة.

الانتماء هو أن يبقى الوطن حيًّا في أخلاق أبنائه، وأن تظل رايته مرفوعةً في ضمائرهم، حتى حين لا تكون ظاهرةً فوق رؤوسهم.

وفي تلك الليلة، أدركت أن الوطن لا يبقى خلفنا حين نسافر.

نحن الذين نحمله معنا؛ في لهجتنا، وذكرياتنا، وحنيننا، وفي الطريقة التي نؤدي بها واجبنا أمام الناس.

قد يغيّر الإنسان مكان إقامته، لكنه لا يستطيع أن يغيّر المكان الأول الذي تعلّم فيه معنى الوفاء.

وهكذا، بين رتبٍ معلقة على جدار بيت في جنوب غرب لندن، وحديث ابنٍ ما زال يفيض حنانًا نحو جيشه وخدماته الطبية، وضحكة حفيدٍ اسمه نارت تملأ المكان حياةً، رأيت الأردن حاضرًا أمامي؛ لا بوصفه أرضًا بعيدة، بل بوصفه معنىً يجمع ثلاثة أجيال تحت سقف واحد.

فالأردن وطنٌ قد نبتعد عن أرضه، لكن أرضه لا تبتعد عنّا؛ لأنه حين يسكن القلب، تصبح كل المسافات عاجزةً عن تحويله إلى غياب.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك