يشكل خليج مصيرة أحد أبرز المواقع البحرية في سلطنة عُمان من حيث الأهمية البيئية والثراء الإحيائي، إذ يجمع بين تنوع فريد من النظم البيئية البحرية والساحلية التي تدعم حياة مئات الأنواع من الكائنات الحية، بدءًا من الكائنات الدقيقة في قاع البحر وصولًا إلى الثدييات البحرية.
وقد أدركت هيئة البيئة منذ فترة طويلة أهمية هذا الخليج بوصفه أحد المناطق الحيوية التي تستحق الدراسة والتوثيق الدقيق، حيث يضم العديد من الكائنات البحرية الرئيسة كالسلاحف والحيتان والدلافين والطيور الساحلية، إضافة الى البيئات الرطبة والأخوار وأشجار القرم والشعاب المرجانية التي تشكل الأساس الحيوي لاستمرارية النظام البيئي البحري.
وقالت الدكتورة عزيزة بنت سعود العذوبي من هيئة البيئة إن خليج مصيرة الذي يمتد من شمال جزيرة مصيرة إلى جنوبها بضفتيه الغربية التي تضم مناطق تابعة لولاية محوت ومن بينها شبه جزيرة بر الحكمان، وضفته الشرقية وتمثل جزيرة مصيرة، “يُعد من أغنى البيئات البحرية والساحلية في سلطنة عُمان، بل ومن أهم المواقع البيئية على مستوى المنطقة والعالم، لما يضمه من تنوع كبير في الموائل البحرية والكائنات الحية.
وأضافت أن البيئات الطبيعية في هذه المنطقة تتنوع بشكل استثنائي ومن بينها المسطحات الطينية الشاسعة والخلجان والمياه الضحلة ومروج الأعشاب البحرية، والبحيرات الساحلية والسبخات الملحية، لتوفر هذه الموائل بيئة مثالية للتكاثر والحضانة والتغذية لعدد كبير من الكائنات البحرية وخاصة الثروة السمكية حيث تعد البيئة البحرية لخليج مصيرة حضانات طبيعية لصغار الأسماك.
وأوضحت أن “من بين مختلف أنواع الموائل البحرية في المنطقة، تبرز جملة من الأنظمة البيئية بوصفها الأكثر أهمية وهي تجمعات الشعاب المرجانية والأعشاب البحرية ومجتمعات الطحالب والمياه الضحلة المنبسطة والمسطحات الطينية.
وبينت أن عدة أنواع من الأسماك والقشريات المهاجرة تتخذ في معظم حياتها التي لا تعيش في هذه المنطقة، من الأعشاب البحرية عادةً مناطق تزاوج وفقس، وهي كذلك مناطق تغذية لسلاحف البحر خاصة جنوب جزيرة مَعّول في خليج مصيرة، وتشمل هذه السلاحف بصفة رئيسة السلحفاة الخضراء، والسلحفاة الريماني والسلحفاة الشرفاف.
وتجدر الإشارة إلى أن منطقة بر الحكمان تضم تجمعًا مرجانيًا أحادي النوع يُعدّ على الأرجح الأكبر من نوعه على مستوى العالم، يتكون بصورة شبه حصرية من نوع من مرجان الكرنب (Montipora sp.
)، في حين تزيد أنواع المرجان الحجري (Scleractinia) على هوامش هذا الشعاب عن 60 نوعًا.
كما تمثل منطقة خليج مصيرة أكبر مرتع للأعشاب البحرية في سلطنة عُمان، تهيمن عليه نوعا Halophila ovalis وHalodule uninervis إضافة إلى تنوعها الحيوي تُعد بر الحكمان من المواقع البحرية المعروفة بين هواة الغوص والصيد البحري.
وأشارت الدكتورة عزيزة العذوبي إلى أن هذه المنطقة الغنية من البيئة البحرية العُمانية توفر موائل مهمة للأسماك الشعابية والسلاحف البحرية واللافقاريات البحرية، وتتميز المنطقة بمياه ضحلة نسبيًّا ومزيج من القيعان الرملية والصخرية والمرجانية، وهي منطقة تتسم كذلك بوجود السلاحف البحرية باعتبارها منطقة تغذية مهمة، ومن المناطق الرئيسة لتجمع الحيتان الحدباء وبرايدس.
وذكرت أن خليج مصيرة يمثل منطقة تغذية مهمة لهذه الحيتان، ولا سيما حوت بحر العرب الأحدب الذي يُعدّ المجموعة السكانية الأكثر عزلة في العالم من هذا النوع، إذ انفصلت جينيًّا عن سائر مجموعات الحيتان الحدباء منذ ما يقارب 70 ألف سنة، ويُقدَّر عددها بأقل من 100 فرد وفق أحدث التقديرات العُمانية وهي مدرجة في الفئة “المهددة بالانقراض” على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة، ويُرجَّح أن خليج مصيرة يمثل منطقة تغذية رئيسة لهذه الحيتان، إضافة أن شبه جزيرة بر الحكمان وجزيرة مصيرة تقعان على مسار هجرة غرب آسيا وشرق أفريقيا، وتستقطب المسطحات الطينية والسبخات في المنطقة نحو مليون طائر سنويًا كمحطات هجرة واستراحة.
وقالت إن منطقة بر الحكمان وحدها تستضيف ما يزيد على 500 ألف طائر، وتتيح بيئة بر الحكمان لـ 18 نوعًا من الطيور استضافة ما يتجاوز 1% من أعدادها على مستوى المسار الجغرافي مشيرة إلى أن بر الحكمان يُعدّ الموقع الشتوي الأهم للطيور المائية في غرب متفوقًا على مواقع مماثلة في شرق أفريقيا وغرب أوراسيا من حيث كثافة الطيور.
من جهته قال ماجد بن محفوظ العريمي مدير مركز البيئة بجزيرة مصيرة بمحافظة جنوب الشرقية في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية إن “هيئة البيئة تعمل بشكل مستمر ووفق خطط ومبادرات مستمرة، نحو إدارة مستدامة للمناطق البحرية في سلطنة عُمان وتعزيز الالتزام الوطني باتفاقيات حماية البيئة البحرية، وترسيخ مفهوم التنمية المستدامة الذي يوازن بين استغلال الموارد الطبيعية والحفاظ عليها لصالح الأجيال القادمة، مؤكدا أن خليج مصيرة ليس مجرد مساحة بحرية غنية بالكائنات الحية، بل هو إرث بيئي واقتصادي واجتماعي يجب صونه بعناية ووعي.
وأضاف أن خليج مصيرة منطقة بحرية غنية بالتنوع البيولوجي، حيث يضم شعابًا مرجانية، وأحواض أعشاب بحرية، وبيئات ساحلية تدعم الحياة البحرية المتنوعة، ويعتبر موطنًا لعدة أنواع مهددة بالانقراض، مثل السلاحف البحرية والحيتان والدلافين، كما يوفر بيئة مناسبة لتكاثر العديد من الكائنات البحرية التي تعزز التوازن البيئي، إضافة إلى أنه من أهم مواقع تغذية السلاحف البحرية، لاحتوائه على بيئات غنية بالأعشاب البحرية التي تعتمد عليها السلاحف في غذائها.
وأوضح أن السلحفاة الخضراء تعد من أبرز الأنواع التي تتغذى في الخليج، إذ تعتمد على هذه المنطقة في مراحل نموها قبل أن تنتقل إلى مواقع التعشيش الأخرى ومن أبرزها رأس الحد بولاية صور حيث يوجد موقع تجمعها الأكبر.
وأشار إلى أن “خليج مصيرة يعد كذلك موطنًا مهمًّا للحوت الأحدب الذي يعرف بعزلته الجينية عن بقية المجموعات العالمية، وهو يتخذ من المياه الساحلية موقعًا مهمًّا للراحة أو البحث عن الغذاء، إضافة إلى وجود حوت برايد الاستوائي وحوت المنك الأملس، والدلفين طويل المنقار الذي يوجد في الشمال الشرقي لخليج مصيرة”.
وفيما يتعلق بالطيور البحرية أكد أن هناك مئات الأنواع منها ما هو مستوطن ومنها ما هو من الطيور المهاجرة وذلك على شواطئ خليج مصيرة في الجهتين الشرقية والغربية والمناطق المجاورة للخليج ومن بينها الخرشنة البيضاء والمتوجة والصغيرة، وخمسة أنواع من النوارس، والنحام الكبير والبلشون الرمادي والطيطوي أحمر الساق والغاق السقطري.
وبين مدير مركز البيئة بولاية جزيرة مصيرة أن “منطقة خليج مصيرة البحرية والساحلية تتمتع بمقومات سياحية استثنائية تجعلها من بين أهم الوجهات البيئية والسياحية في سلطنة عُمان، فهي تجمع بين الجمال الطبيعي البكر والتنوع الأحيائي الفريد، مما يؤهلها لتكون نموذجًا للسياحة البيئية المستدامة.
وذكر أن التنوع البيولوجي يعد من أبرز عناصر الجذب السياحي في المنطقة، حيث تتيح مشاهدة السلاحف البحرية أثناء التعشيش والتغذية، ومراقبة الحيتان والدلافين في مياه الخليج تجربة فريدة للزوار والباحثين على حد سواء، كما تشكل الطيور البحرية المهاجرة والمقيمة عنصرًا آخر يجذب محبي التصوير ومراقبة الطيور من مختلف أنحاء العالم، إضافة إلى ذلك، تضم المنطقة شواطئ رملية واسعة نقية ومياه صافية، توفر بيئة مثالية لممارسة الأنشطة البحرية مثل الغوص، والسباحة، وركوب الأمواج، ورحلات القوارب الاستكشافية.
وقال إن المياه الساحلية تحتوي على الشعاب المرجانية المتنوعة التي تضيف بعدًا جماليًّا وبيئيًّا يمكن استثماره في السياحة العلمية والتعليمية، مع مراعاة الضوابط البيئية الصارمة للحفاظ على هذه النظم الحساسة“، مبيناً أن “الأخوار وأشجار القرم (المانجروف) تشكل معلمًا طبيعيًّا يسهم في ثراء السياحة البيئية، حيث تعد تلك المواقع موائل مهمة للطيور والكائنات البحرية الصغيرة، وتوفر فرصا لتطوير مسارات سياحية تعليمية للتعريف بأهمية النظم البيئية الساحلية في خليج مصيرة وتعزز الهوية الثقافية والاجتماعية لسكان جزيرة مصيرة، والمناطق التي تطل على هذا الخليج التابعة لولاية محوت وتنمية الجانب السياحي للمنطقة، من خلال الحرف التقليدية وصيد الأسماك والرحلات البحرية التراثية، مما يجعل تجربة الزائر مزيجًا من الطبيعة والثقافة المحلية الأصيلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك