تجري أدوات الذكاء الاصطناعي مئات الملايين من المحادثات يوميا مع المستخدمين في شتى المواضيع، وبينما تدعي الشركات المسؤولة عن هذه الأدوات -سواء كانت" أوبن إيه آي" أو" غوغل" أو" أنثروبيك" - أن أدواتها تعتمد على المصادر الموجودة على الإنترنت، إلا أنها في بعض الأحيان قد تقدم معلومات خاطئة للمستخدمين.
ومهما كانت نسبة الخطأ هذه صغيرة أو قليلة للغاية، فإن حجم المحادثات التي تجرى مع أدوات الذكاء الاصطناعي تجعل العدد الفعلي للمحادثات التي تضم أخطاء أكبر مما نتوقع.
list 1 of 2غوغل وآبل.
هل انتهت المنافسة وبدأ عصر الشراكات القسرية في الذكاء الاصطناعي؟list 2 of 2مايورانا 2.
هل تغير شريحة مايكروسوفت الجديدة مستقبل الحوسبة الكمية؟وتتنوع هذه الأخطاء بشكل كبير، إذ تهلوس بعض الأدوات وتقوم بخلط الحقائق والبيانات وتنقلها للمستخدم بصورة خاطئة، بينما تبتكر أدوات أخرى حقائق جديدة بالكامل لا علاقة لها بالواقع، لتصبح المعلومات مغلوطة بشكل كلي.
ويزداد الأمر سوءا بسبب ثقة المستخدمين بشكل كبير في الإجابات التي تأتيهم من أدوات الذكاء الاصطناعي، إذ يكشف تقرير شركة" يوغوف" للإحصاءات أن 69% من مستخدمي الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة يثقون في إجاباته.
وتطرح هذه الثقة تساؤلا محوريا حول المسؤولية القانونية للإجابات الخاطئة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، خاصة مع انتشار استخدام الأدوات المختلفة وازدياد معدل تبنيها وسهولة الوصول إليها.
يكشف تقرير نشرته صحيفة" نيويورك تايمز" عن حجم الأخطاء التي تقع فيها ميزة ملخصات البحث المعززة بالذكاء الاصطناعي من غوغل، إذ تقدم الميزة إجابة خاطئة واحدة بين كل 10 إجابات، ويضع هذا الأمر دقة الأداة بنسبة تتجاوز 90%.
ولكن، حتى الإجابات الصحيحة التي ظهرت في ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي لم تكن تستند إلى مصادر واضحة وصريحة يمكن للمستخدم العودة إليها وفق تقرير" نيويورك تايمز"، إذ وصلت نسبة الإجابات الصحيحة ولا تستند إلى مصادر واضحة 56% في فبراير/شباط مع طرح نموذج" جيميناي 3" الجديد.
ورغم هذا، فإن الأثر الذي تملكه هذه النسبة الصغيرة التي لا تتجاوز 10% قد يكون كبيرا للغاية بفضل حجم عمليات الاستخدام والمحادثات التي يخوضها المستخدمون مع غوغل، إذ يجري المستخدمون أكثر من 5 تريليونات عملية بحث سنويا في الأداة وفق التقرير، وهو ما يجعل حجم الأخطاء اليومية يتجاوز مئات الملايين.
وينطبق الأمر كذلك على أدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى، إذ تجري أداة مثل" شات جي بي تي" أكثر من 2.
5 مليار طلب يوميا مع مستخدميها الذين تخطوا 900 مليون مستخدم أسبوعيا وفق تقرير شركة" أومني بوند" للذكاء الاصطناعي الأمريكية.
ويتمتع النموذج الأحدث" جي بي تي 5" بنسبة دقة تصل إلى 87% وفق أحدث دراسة جمعها موقع" شات بيز" الأمريكي لاختبارات نماذج الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل أخطاءها اليومية أيضا تتعدى مئات الملايين.
ثقة غالبة في الذكاء الاصطناعيورغم أن جزءا كبيرا من المستخدمين قد تعرضوا لهلوسات الذكاء الاصطناعي وتمكنوا من اكتشافها وفق دراسة نشرتها شركة" إكسبلودينغ توبيكس" للتسويق الرقمي، إلا أن الجزء الأغلب من المستخدمين ما زال يثق في الذكاء الاصطناعي والإجابات الخاصة به.
وتؤكد الدراسة أن 18.
6% من المستخدمين فقط هم الذين يشككون في نتائج الذكاء الاصطناعي والإجابات الخاصة به ويبحثون عن مصادر إضافية، رغم أن 42% من المستخدمين تلقوا في وقت سابق إجابات خاطئة وهلوسة من الذكاء الاصطناعي.
وترجح الدراسة أن السبب في هذه الثقة يعود لسهولة استخدام الذكاء الاصطناعي والوصول إلى المعلومات التي يوفرها، إذ تقدم الأدوات عادة للمستخدم الإجابة التي يبحث عنها في صورة يسهل فهمها وقراءتها.
من يقف خلف إجابات الذكاء الاصطناعي؟تتعامل شركات التقنية العالمية مع أدوات الذكاء الاصطناعي التي تطورها بشكل يحاكي معاملة غوغل مع محرك البحث الخاص بها عندما طرحته للمرة الأولى، إذ ترى الشركات أن أدواتها تلخص وتعيد نشر ما وُجد في المصادر المختلفة عبر الإنترنت.
وبرزت وجهة النظر هذه في عدة قضايا قانونية واجه فيها عمالقة التقنية أصابع الاتهام بسبب الإجابات الخاطئة لنماذجهم، ومن بينهم" غوغل" في القضية الأخيرة بمحكمة ميونخ الألمانية، و" أوبن إيه آي" في القضية التي رفعها عليهم مذيع الراديو مارك والترز عام 2025 وما زالت في التداول حتى الآن.
ولكن تكمن الأزمة في أن القوانين الأمريكية والعالمية لا تملك أطرا واضحة للتعامل مع مثل هذه النوعية من القضايا التي قد تملأ صالات المحاكم في السنوات المقبلة مع انتشار استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بكثرة، وفق تقرير صحيفة" بلومبيرغ لو" الأمريكية.
ويرجع التقرير الأزمة في مثل هذه القضايا إلى 4 أركان رئيسية، من بينها تحديد هوية المتحدث، وذلك لأنك لا تستطيع مع الذكاء الاصطناعي تحديد من المتحدث تحديدا، سواء كانت الشركة أم لا.
ويعتمد تحديد المتحدث الذي يقف خلف إجابات الذكاء الاصطناعي على وجهة نظر المحكمة، إن كانت ستنظر إلى أدوات الذكاء الاصطناعي بكونها منتجا خاصا يتبع الشركات المالكة لها أو كانت هذه الشركات مجرد" منصة" تنشر فيها الإجابات.
وفي الحالة الأولى فإن هذا لا يحميها من المسؤولية القانونية وسيضعها تحت طائلة القانون بصفتها المتحدث في واقع الأمر، وذلك مهما حاولت تلك الشركات إضافة تحذيرات للمستخدمين أو تنبيهات أن المعلومات الموجودة قد تكون خاطئة.
ولكن إن اعتبرت المحكمة أدوات الذكاء الاصطناعي منصات تنشر إجابات الآخرين بشكل غير مباشر، فإن هذا يضعها تحت مظلة قوانين آداب الاتصالات ولا يحملها المسؤولية نهائيا.
وتكشف القضايا الأخيرة المرفوعة ضد أدوات الذكاء الاصطناعي تباينا واضحا في موقف المحاكم المختلفة.
ففي حين اعتبرت محكمة ميونخ غوغل مسؤولة بعدما اتهم الذكاء الاصطناعي الخاص بها عدة ناشرين كذبا، فإن محكمة جورجيا رأت أن" شات جي بي تي" ليس مسؤولا ولا يقصد أن يسيء إلى مذيع الراديو مارك والترز عندما اتهمه بالاختلاس.
واستندت محكمة ميونخ إلى أن ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي من" غوغل" قدمت محتوى جديدا وأصيلا لها، وبالتالي فهي مسؤولة عن الأشياء المذكورة في هذا المحتوى.
ولكن محكمة جورجيا رأت أن" شات جي بي تي" يفتقر إلى النية وانتقاء المعنى التشهيري، لذلك لا يمكن اعتبار ما قام به قضية تشهير.
ويُتوقع أن يزداد حجم هذا التباين بين المحاكم المختلفة مع تنوع القضايا وتفاصيلها المختلفة، فضلا عن اختلاف وجهة نظر كل قاضٍ وآلية نظره إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتشير القضايا القانونية والمسؤولية الناتجة عن هلوسات الذكاء الاصطناعي إلى سؤال آخر، وهو هل يمكن تحميل الذكاء الاصطناعي نفسه مسؤولية إجاباته الخاطئة.
وتدرس ورقة أكاديمية مقدونية قدمت في مؤتمر" إيه آي سمارت عام 2025" هذا السؤال ذاته، وجاء هذا البحث تحت عنوان" المسؤولية القانونية للذكاء الاصطناعي؟ " للباحثين راشكوفسكي وفيرونيكا راشكوفسكا.
وتخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي لا يصلح لأن يكون متهما قانونيا، وذلك لأن القانون لا يعترف به شخصا، فضلا عن افتقاره إلى ثلاثة أركان تقوم عليها المسؤولية، وهي النية والوعي والذمة المالية.
ورغم هذا، تحذر الورقة من أن تصبح نماذج الذكاء الاصطناعي كبش فداء تستتر خلفه الشركات هربا من المسؤولية القانونية التي قد تعود عليها بسبب ما تنتجه أدواتها.
وتزداد أهمية هذا التساؤل بعد الخطوات التشريعية التي تدرس عدة دول حول العالم اتباعها، بدءا من إستونيا التي قررت منح وكلاء الذكاء الاصطناعي هوية شخصية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك