ازدواجية المعايير الغربية بين شرعية المقاومة وغطاء الاحتلالفي خضم التحولات الدراماتيكية التي يشهدها الشرق الأوسط، تبرز التناقضات الغربية في التعامل مع النزاعات الإقليمية بصورة صارخة، حتى باتت سمة ثابتة في السياسة الدولية، لا استثناء عابرا.
فبينما يطالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جماعة حزب الله بوقف عملياتها العسكرية ضد إسرائيل في جنوب لبنان، يبدو وكأنه يطالبها بالتخلي عن خيار المقاومة، وهو موقف يتناقض تاريخيا وأخلاقيا مع إرث بلاده نفسها.
ففرنسا، التي احتلها النازيون في أربعينيات القرن الماضي، لم تكتف بمقاومة المحتل، بل جعلت من" المقاومة الفرنسية" رمزا وطنيا يدرس في مناهجها ويحتفى به في خطابها السياسي.
فكيف لرئيس الجمهورية الخامسة أن يتجاهل هذا الإرث، ويطلب من شعوب أخرى أن تخضع للاحتلال أو العدوان دون رد؟ وهل تصبح شرعية المقاومة حقا حصريا للغربيين حين تكون أراضيهم محتلة، بينما توصم بالإرهاب عندما تمارسها شعوب الشرق الأوسط دفاعا عن وجودها؟ترى طهران أن أي تغير في موازين القوى سينعكس بصورة مباشرة على الواقع الفلسطيني، وهو ما يتعارض مع الرؤية الغربية التي تسعى غالبا إلى التعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها ملفات منفصلةهذه المفارقة لا تقتصر على الموقف الفرنسي، بل تمتد إلى الضفة الأخرى من الأطلسي، حيث يكشف الموقف الأمريكي الوجه الآخر للسياسة القائمة على المصالح والحسابات الضيقة.
فالتصريحات الأمريكية التي تؤكد أن الرئيس دونالد ترامب كان" الداعم الأوحد" لإسرائيل، وتنتقد بعض المسؤولين الإسرائيليين بسبب اعتراضهم على التفاهمات مع إيران، تعكس بوضوح كيف تتحكم المصالح السياسية والاعتبارات الانتخابية في صياغة المواقف الدولية.
فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، والذي يتجلى في تزويدها بأحدث الأسلحة واستخدام حق النقض (الفيتو) لحمايتها من المساءلة الدولية، لا يمثل مجرد تحالف إستراتيجي، بل يعكس واقعا تصبح فيه العدالة الدولية رهينة لموازين القوة والمصالح.
كما أن الاعتراف المتكرر بأهمية الدعم الأمريكي لبقاء التفوق الإسرائيلي يطرح تساؤلات واسعة حول طبيعة الشرعية التي يستند إليها هذا الدعم، ومدى اتساقه مع المبادئ التي يرفعها الغرب بشأن القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وفي مقابل هذا التغاضي الغربي عن ممارسات الاحتلال، تبرز المواقف الإيرانية بوصفها جزءا من التحولات الإستراتيجية الجارية في المنطقة.
فالتصريحات الإيرانية المتكررة بشأن الجاهزية الدفاعية، وربطها بين توازنات الردع الإقليمية وما يجري في قطاع غزة، تعكس رؤية تعتبر أن الملفات الإقليمية مترابطة، وأن الصراع الفلسطيني لا يمكن عزله عن محيطه الجيوسياسي.
ومن هذا المنطلق، ترى طهران أن أي تغير في موازين القوى سينعكس بصورة مباشرة على الواقع الفلسطيني، وهو ما يتعارض مع الرؤية الغربية التي تسعى غالبا إلى التعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها ملفات منفصلة.
ويعكس هذا الربط قناعة بأن ما يجري في غزة ليس حدثا معزولا، بل جزء من صراع إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات الأمنية والسياسية والإستراتيجية.
إن إعادة صياغة المفاهيم وفقا للمصالح، وتغليب منطق القوة على منطق الحق، يمثلان أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الأزمات في الشرق الأوسطإن المتأمل في هذا المشهد المتشابك من التصريحات والمواقف المتضاربة يجد نفسه أمام حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن العالم الغربي يعاني من إشكالية مزمنة تتمثل في ازدواجية المعايير.
فالاحتلال، عندما يمارسه طرف يحظى بدعم القوى الكبرى، يقدم بوصفه ضرورة أمنية أو حقا في الدفاع عن النفس، بينما ينظر إلى أي مقاومة لهذا الاحتلال باعتبارها تهديدا يستوجب الإدانة والعقوبات.
هذه الازدواجية لم تعد خافية على الرأي العام العالمي، بل أصبحت أكثر وضوحا في ظل التطور الهائل لوسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، التي أتاحت للناس مقارنة الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان والمساواة مع السياسات المطبقة على أرض الواقع.
إن إعادة صياغة المفاهيم وفقا للمصالح، وتغليب منطق القوة على منطق الحق، يمثلان أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الأزمات في الشرق الأوسط.
فطالما استمرت معادلة تجريم المقاومة وتبرير الاحتلال، ستبقى المنطقة تدور في حلقة مفرغة من التوتر وعدم الاستقرار.
ولا يكمن الحل في مطالبة الطرف الأضعف بضبط النفس وحده، بل في تطبيق معايير واحدة على الجميع، ومحاسبة منتهكي القانون الدولي بغض النظر عن هويتهم أو حجم نفوذهم.
فحق الشعوب في الدفاع عن نفسها ومقاومة الاحتلال حق إنساني لا ينبغي أن يخضع للجغرافيا أو لون البشرة أو الحسابات السياسية.
إما أن تكون المعايير الدولية موحدة وعادلة للجميع، أو أن تفقد مصداقيتها تدريجيا.
وعندها لن يكون الحديث عن نظام دولي قائم على العدالة والقانون سوى شعار نظري، بينما يبقى الواقع محكوما بمنطق القوة وموازين المصالح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك