خلال مكالمتين بين الرئيس الأمريكي ترمب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو سمع الأخير خلالهما كلاما قاسيا جدا، وذلك قبل توقيع اتفاق انتهاء الحرب في 17 يونيو/حزيران 2026.
وأطلق نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، تصريحات بحق نتنياهو عنيفة أيضا، اتهمه فيها بارتكاب الأخطاء.
وقد تضمنت توبيخا وتحذيرا شديدي اللهجة.
وهو الأمر الذي لا يترك مجالا لأحد، أن ينكر وجود تناقض شديد، بين ترمب ونتنياهو، أو يخفف من جدية، أو حدية هذا التناقض، دون إغفال ما بين أمريكا والكيان الصهيوني من علاقة عضوية، بالاستناد إلى ما كان ترمب أو فانس أعلناه، وما زالا، من انحياز صهيوني، أو حرص على الكيان الصهيوني، أو حتى على نتنياهو نفسه.
هذا التناقض، قام ويقوم الآن، على الاختلاف الشديد بين سياسات ترمب، إزاء التفاوض والاتفاق مع إيران، في ظل الحرب المشتعلة بينهما من جهة، وسياسات نتنياهو الذي ينتقد الاتفاق، ويدعو إلى مواصلة الحرب ضد إيران، حتى فرض الاستسلام عليها.
فضلا عن تصعيده للحرب في جنوب لبنان.
لقد أثبتت الحرب طوال الأشهر الأربعة، عدم وصول هذا التناقض إلى الانفجار، كما هو حاصل الآن، من جهة، وقد أثبتت من جهة أخرى، قدرة النظام الإسلامي على الصمود، وثباته ونديته لأمريكا في الحرب، قتالا وتفاوضا وإدارة للصراع، مما يشي بعبثية الحرب، بالنسبة إلى أمريكا.
هذا التناقض بين السياستين، يترجم الآن، في التطبيق، وفي العلاقة بين ترمب ونتنياهو، إلى: مَن مصلحته أولا أمريكا، أم الكيان الصهيوني؟ أي ضرورة تغليب أي من السياستين.
وقد جُرب إعطاء الأولوية لسياسة نتنياهو، أي مصلحة" إسرائيل".
وذلك، في إعلان الحرب نفسها على إيران، بالاستناد إلى تقدير نتنياهو والموساد، بأن النظام سيسقط من الأسبوع الأول، أو بعد إنزال الضربات الأولى، ابتداء بالاغتيالات الواسعة، وقصف مئات أو آلاف المواقع، مما أقنع ترمب بهذا التقدير، والدخول في الحرب.
لكن هذا الأمر فشل، وثبت خطؤُه.
بل أدى إلى حدوث العكس، مع ردود الفعل الشعبية والرسمية، على اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، حيث توحد الشعب الإيراني وراء النظام، للصمود والتصدي لحرب عدوانية، استهدفت حتى وجود إيران، حيث أتى (التهديد بإزالة إيران من الوجود).
لحقت بأمريكا، برئاسة ترمب، خسائر كثيرة، سمعة واقتصادا، وسياسة، ومعنويا، وذلك بسبب الاستمرار في نزاع، يريده نتنياهو الذي صارت الحرب، هدفا بحد ذاته بالنسبة إليهعلى أن الإشكال، لم يقتصر على فشل التقدير الذي أسهم في خوض ترمب الحرب على إيران فحسب، وإنما الذي نجم عن محصلة المواجهة في هذا الصراع، من أزمة اقتصادية عالمية، لا سيما، بعد إغلاق إيران مضيق هرمز، والدخول الأمريكي في عزلة دولية، تمثلت فيما نشأ من خلاف أمريكي أوروبي، وما أعلن من مواقف غالبية الدول العربية والإسلامية، والعالم ثالثية ضد الحرب، ناهيك عن الرأي العام العالمي.
بيد أن من أهم ما نجم عن هذا النزاع، بالنسبة لترمب تمثل في أن غالبية الشعب الأمريكي، لم تعتبر هذه الحرب حرب أمريكا، وإنما حرب الكيان الصهيوني.
وقد ترجم ذلك إلى تراجع لشعبية ترمب داخليا إلى 36%.
وهو مستوى لم يصله رئيس أمريكي من قبل.
وعبرت بعض الإحصاءات الموجهة إلى الشباب الأمريكي بين 17 و30 سنة، حتى بين الشباب اليهودي نفسه، عن نسب تصل إلى 60% أو 70%، تؤيد الحق الفلسطيني، أو تدين نتنياهو، بارتكاب جرائم حرب.
وقد انعكس هذا في تدهور مريع، لسمعة الكيان الصهيوني، في نظر الرأي العام العالمي، حتى إن حمل جواز السفر الإسرائيلي أدى إلى مقاطعة حامله، في عدد من الدول الأوروبية، ورفض التعامل معه، والامتناع عن خدمته في مطعم، أو تسجيله في فندق.
وبكلمة، لحقت بأمريكا، برئاسة ترمب، خسائر كثيرة، سمعة واقتصادا، وسياسة، ومعنويا، وذلك بسبب الاستمرار في نزاع، يريده نتنياهو الذي صارت الحرب، هدفا بحد ذاته بالنسبة إليه؛ وذلك بسبب وضعه الخاص داخل الكيان الصهيوني.
فهو معرض إذا ما توقفت الحرب، لتحريك قضايا اتهامه بالفساد أمام القضاء، إلى جانب رضوخه للجنة تحقيق حول الأخطاء (الخطايا)، التي ارتكبها قبل انطلاق عملية طوفان الأقصى.
وهو تحقيق لا يستطيع نتنياهو المثول أمام لجنته.
هذا الوضع هو الذي كمن وراء إصراره على الحرب الخاسرة، طوال ما يقارب ثلاث سنوات في غزة، هو الذي يوضح الإصرار على مواصلة الحرب ضد إيران ولبنان.
وذلك من أجل البقاء في رئاسة الحكومة التي تحميه من دخول السجن.
وبهذا يكون ترمب قد ناله، ما لا يحصى من سلبيات، بسبب تحالفه مع نتنياهو، ومجاراته له.
فكان انفجار التناقض بينهما، نتيجة حتمية، ووصول المهاتفتين المذكورتين بينهما إلى ما وصلت إليه.
وكذلك ما حملته تصريحات فانس، من تحذير وتهديد مبطن لنتنياهو.
وبكلمة، المشكلة بين ترمب ونتنياهو جِدية، ويتوقف مستقبل ترمب على معالجتها وحسمها، ومن ثم عدم تكرار المعادلة السابقة التي تحكم فيها نتنياهو وتياره، حتى في أمريكا نفسها، وكانت نتيجتها كارثية على ترمب.
صحيح أن هذا التناقض لا يؤدي إلى فك عرى التحالف العضوي، بين أمريكا والكيان الصهيوني.
ولكنه يجب أن يحسم، وإلا لحقت بأمريكا أضرار يجب أن تتوقف.
ومن هنا، يجب أن يُفهم معنى تصريح فانس، بأن ثلثي السلاح الذي قاتل به الكيان الصهيوني، غُطي بالضرائب التي يدفعها المواطن الأمريكي.
كما يجب أن يُفهم ما قاله ترمب لنتنياهو أخيرا: كفى كفى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك