قبل 78 عاماً، وفي أعقاب إعلان قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي حديثاً، برزت رسالة لافتة وقّعها عدد من أبرز المثقفين والأكاديميين اليهود في الولايات المتحدة، يتقدمهم الفيزيائي الشهير ألبرت أينشتاين والفيلسوفة السياسية حنة أرندت، حذّروا فيها من صعود تيار سياسي صهيوني رأوا أنه يحمل سمات قريبة من الفاشية والنازية، في موقف أثار جدلاً واسعاً ولا يزال صداه حاضراً حتى اليوم.
جاء ذلك في رسالة مفتوحة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز الأميركية بتاريخ 4 ديسمبر/كانون الأول 1948، حملت عنوان: " حزب فلسطين الجديد"، في إشارة إلى التسمية السائدة للأرض آنذاك قبل النكبة، وجاء فيها أن زيارة مناحيم بيغن (رئيس وزراء إسرائيل من 1977 وحتى 1983)، وأهداف حركته السياسية تثير قلقاً متزايداً داخل الأوساط اليهودية في الولايات المتحدة.
واعتبر الموقعون أن حزب" حيروت" الذي أسسه مناحيم بيغن، والمنبثق من منظمة" إرغون" الإرهابية، يشبه إلى حد كبير الأحزاب الفاشية والنازية، من حيث التنظيم والأساليب والخطاب السياسي، محذرين من أن دعمه سياسياً ومالياً في أميركا قد يعزز نزعات قومية متطرفة داخل الدولة الناشئة.
المنصة الإعلامية النرويجية" ستايغان"، وفي سياق تغطيتها حروب الاحتلال في المنطقة، أعادت نشر الرسالة، أول من أمس الجمعة، مرفقة بصورة من أرشيف نيويورك تايمز، معتبرة أنها" وثيقة تاريخية تكشف جانباً من الجدل المبكر داخل الأوساط اليهودية بشأن بعض التيارات الصهيونية القومية التي برزت عقب قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي".
وجاءت الرسالة حينها، في سياق زيارة بيغن إلى الولايات المتحدة، سعياً إلى كسب الدعم السياسي والمالي لحزبه قبيل الانتخابات الإسرائيلية الأولى.
ورأى الموقعون أن من واجبهم تنبيه الرأي العام الأميركي إلى طبيعة الحزب وسجله السياسي.
وتكتسب الرسالة أهمية خاصة لأنها لم تصدر عن خصوم الصهيونية العرب والغربيين، بل عن شخصيات يهودية بارزة رأت في القومية المتشددة، والعنف السياسي، والتفوق العرقي، مؤشرات تنذر بانحراف خطير عن القيم الديمقراطية.
فحوى رسالة أينشتاين وأرندتوصفت الرسالة المنشورة في" نيويورك تايمز" حزب" حيروت" بأنه يشبه إلى حد كبير الأحزاب النازية والفاشية من حيث التنظيم والأساليب والفلسفة السياسية، معتبرة أنه امتداد للتيار الذي مثلته منظمة" إرغون" الإرهابية المسلحة.
ورأى الموقعون أن شعارات الحزب حول الحرية والديمقراطية تتناقض مع ممارساته السابقة، مؤكدين أن الحركات السياسية تُقاس بأفعالها لا بخطابها.
وحذّرت الرسالة من أن الدعم السياسي والمالي الذي حظي به بيغن في الولايات المتحدة قد يُفسَّر بوصفه تأييداً أميركياً لتيارات الفاشية داخل إسرائيل.
كما اتهمت الحزب بالترويج للقومية المتشددة والتفوق العرقي والنزعة الدينية المتطرفة، وباستخدام العنف والترهيب.
واستشهد الموقعون بمجزرة دير ياسين عام 1948 بوصفها نموذجاً للممارسات التي انتقدوها، معتبرين أن التناقض بين الخطاب الديمقراطي المعلن للحزب وسجله السابق يحمل" الطابع المميز للحركات الفاشية".
واختتموا رسالتهم بدعوة صريحة إلى عدم دعم بيغن وحزبه أميركياً، محذرين من مخاطر تنامي هذا التيار داخل الدولة الجديدة.
تأسس حزب" حيروت" عام 1948 بقيادة بيغن وعدد من أعضاء منظمة" إرغون" المسلحة التي ارتكبت مجازر النكبة، ونشطت خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، وصنفت منظمة إرهابية، ونُشرت صور بيغن آنذاك باعتباره إرهابياً مطلوباً لدى السلطات البريطانية.
ومنذ نشأته أثار الحزب جدلاً واسعاً داخل الأوساط الصهيونية واليهودية بسبب توجهاته القومية المتشددة ورؤيته السياسية.
وعلى الرغم من الانتقادات التي وُجهت إليه في بداياته، تمكّن الحزب تدريجياً من ترسيخ حضوره في الحياة السياسية الصهيونية.
وفي عام 1973 أصبح" حيروت" (الليكود لاحقاً) الركيزة الأساسية للائتلاف الحاكم اليوم بقيادة بنيامين نتنياهو، قبل أن يصل مؤسسه بيغن إلى رئاسة الحكومة عام 1977، منهياً هيمنة حزب العمل على السلطة.
وفي عام 1978، حصل بيغن والرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات على جائزة نوبل للسلام تقديراً لدورهما في التوصل إلى اتفاقيات كامب ديفيد؛ التي مهّدت لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.
بعد 78 عاماً على نشرها، لا تزال رسالة أينشتاين وأرندت وآخرين حاضرة في النقاشات حول جذور التطرف الصهيوني وتطوّره.
ويرى باحثون أنها تمثل شاهداً مبكراً على معارضة يهودية للنزعات القومية المتشددة داخل الحركة الصهيونية، وتحذيراً مبكراً من مخاطر توظيف القومية والعنف، حيث تبدو اليوم أكثر ميلاً للتعبير العلني عن مشاريع تطبيق سياسات الإبادة والتطهير العرقي التي بدأت عملياً مع أولى العمليات الإرهابية الصهيونية من أجل التأسيس لنكبة 1948.
وترى منصة" ستايغان" النرويجية أن التحذيرات التي وردت في رسالة عام 1948 تكتسب أهمية متجددة في ضوء التطورات السياسية الراهنة في دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وتربط المنصة بين الأفكار التي انتقدها أينشتاين وأرندت قبل أكثر من سبعة عقود وبين سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي قادها حزب الليكود وبالتحالف مع الأحزاب الصهيونية - الدينية، وسياسات الاحتلال خلال الفترة الأخيرة، بما في ذلك حرب الإبادة على قطاع غزة وما يجري في الضفة الغربية المحتلة والحرب ضد لبنان، والدعم الأميركي المتواصل لحروب وجرائم الاحتلال.
وتعتقد منصة" ستايغان" أن هذا التوصيف يتقاطع مع مواقف عدد من اليهود الأوروبيين والباحثين والناشطين الذين برزت أصواتهم بقوة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، رافضين توظيف تهمة" معاداة السامية" لإسكات الانتقادات الموجّهة إلى الاحتلال الإسرائيلي.
ويؤكد هؤلاء رفضهم الاحتلال والصهيونية باعتبارها مشروعاً سياسياً استعمارياً متطرفاً، بينما تظل طبيعة النظام السياسي للصهيونية وسياساته الحالية محل نقاش وخلاف واسع في الأوساط الأكاديمية والسياسية والحقوقية الدولية.
هذا إلى جانب توسع النقاش في الأوساط الأميركية، التي لم تعد تنظر إلى" التحالف" ودعم الاحتلال باعتباره أمراً مسلماً به، مطالبين بمراجعة ما ساد خلال العقود الماضية وعلى مقياس" أميركا أولاً".
وفي نهاية المطاف، تذهب منصة" ستايغان" إلى أن هذه الرسالة تظل وثيقة تاريخية بالغة الدلالة، ليس فقط لأنها صدرت عن شخصيات يهودية بارزة، من بينها ألبرت أينشتاين وحنة أرندت وآخرون، بل لأنها حملت منذ عام 1948 تحذيراً مبكراً من أفكار واتجاهات رأت أنها تمزج بين القومية المتطرفة والعنف السياسي والتفوق العرقي والفاشية.
وترى المنصة أن تلك التحذيرات لم تفقد راهنيتها، بل لا تزال حاضرة في النقاشات والسجالات السياسية والفكرية المتعلقة بتاريخ دولة الاحتلال الإسرائيلي وتطور تياراتها، ولا سيما في ظل صعود القوى القومية والدينية المتشددة إلى مواقع متقدمة في المشهد السياسي الصهيوني المعاصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك