يشهد عام 2026 تحولات جذرية بالمشهد الأمني في الشرق الأوسط أبرزها اندلاع مواجهة مباشرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إضافة إلى استمرار بؤر التوتر في سوريا واليمن والسودان وليبيا، ما يجعل المنطقة أمام إعادة تشكيل لنظامها الإقليمي وسط حالة من الاضطراب المنضبط الذي تحاول فيه واشنطن فرض خارطتها على المنطقة وإعادة رسم التحالفات فيها على أساس حماية مصالحها وحليفها الاستراتيجي إسرائيل.
يشكل المشهد الأمني في الشرق الأوسط اليوم لوحة معقدة تتداخل فيها الصراعات العسكرية مع الحسابات الجيوسياسية الكبرى، فالحرب التي اندلعت في شباط 2026 بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لم تعد مجرد مواجهة محدودة، بل تحولت إلى حرب إقليمية مفتوحة بعد إغلاق إيران لمضيق هرمز وردها على العملية العسكرية المشتركة التي استهدفت قيادتها العليا، كما أن هذه التطورات أعادت إلى الأذهان جذور الصراع الممتد منذ الثورة الإسلامية عام 1979، مروراً بالحرب العراقية الإيرانية، وصولاً إلى البرنامج النووي الإيراني وما تبعه من عقوبات وانهيار الاتفاق النووي، إذ إن انتقال المواجهة من حروب الظل والاغتيالات إلى صدام مباشر يعكس تغيرًا في ميزان القوى الإقليمي، ويؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النظام الأمني.
لا يمكن اختزال المشهد الأمني في هذه الحرب وحدها، إذ تشهد المنطقة بؤراً أخرى من التوتر ففي سوريا، ورغم توقف الحرب الكبرى، لايزال الاستقرار هشا، بينما تعيش غزة حالة من التعثر في استكمال خطة السلام بعد حرب الإبادة الإسرائيلية، فالسودان غارق في صراع داخلي يمزق نسيجه الوطني، وليبيا ما زالت أسيرة الانقسام السياسي، واليمن يشهد تصعيدا خطيراً يهدد أمن البحر الأحمر أما إيران، فإلى جانب مواجهتها المباشرة مع واشنطن وتل أبيب، تعاني ارتباكاً إستراتيجيا نتيجة تراجع بعض قدراتها الإقليمية، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تقييم دورها في المنطقة.
برزت دول مجلس التعاون الخليجي كلاعب دبلوماسي نشط يسعى إلى تخفيف حدة التوتر عبر مبادرات سياسية واقتصادية، إلا أن هذه الجهود تصطدم بتعدد الرؤى الإقليمية والدولية، فهناك من يدفع نحو توسيع مسار السلام الإبراهيمي ودمج إسرائيل في الإقليم بالقوة، وهناك من يرى أن حل الدولتين هو المدخل الأساسي لمعالجة جذور الاضطراب المزمن، الى جانب أن القوى الكبرى، مثل روسيا والولايات المتحدة، تتبنى سياسات متذبذبة تزيد من حالة عدم اليقين، بينما تحاول قوى إقليمية أخرى التمدد لتعزيز نفوذها.
إن المشهد الأمني الراهن يمكن وصفه بأنه حالة من" الاضطراب المنضبط"، حيث تتعايش بعض الدول مع التوتر وتستثمر في التنمية والإعمار، بينما تغرق أخرى في صراعات داخلية أو مواجهات إقليمية، فيما أن هذا التوازن الهش يجعل المنطقة عرضة لانفجارات أمنية مفاجئة، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام احتمالات إعادة هندسة النظام الإقليمي إذا ما توافرت الإرادة السياسية الجماعية غير أن الواقع الحالي لا يظهر أي ملامح لمشروع جامع يعيد صياغة الأمن الإقليمي، بل رؤى متباينة تعكس مصالح القوى الفاعلة.
في المحصلة، الشرق الأوسط يقف اليوم على مفترق طرق، فإما أن يستمر في دوامة الصراعات التي تعيد إنتاج الفوضى، أو أن تتبلور مبادرات إقليمية ودولية قادرة على هندسة نظام جديد أكثر استقراراً، لكن المؤشرات الراهنة ترجح استمرار حالة الاضطراب، مع بقاء الأمن الإقليمي رهينة لتوازنات القوى وصراعات النفوذ، وهو ما يجعل السنوات المقبلة حاسمة في تحديد ملامح مستقبل المنطقة، بالإضافة الى أن الحرب الدائرة في المنطقة ربما تكون بداية تحديد ملامح خارطة المنطقة وسقوط أنظمة فيها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك