لم يحل انشغال الباحثة اللبنانية مارلين يونس بالفلسفة دون انفتاحها على حقول معرفية وفنية متعددة؛ فقد منحتها ممارستها الطويلة في الدرس الفلسفي قدرة على الحركة بين المفاهيم، ومرونة في تحويل الخبرة والانطباع إلى أفكار قابلة للتأمل والمساءلة.
وقد تُوِّج هذا المسار أخيراً بحصولها على رتبة بروفيسورة في الفلسفة، بما يحمله اللقب من تقدير علمي ومسؤولية معرفية.
إلى جانب اختصاصها الفلسفي، حازت يونس شهادة الماجستير في علم الآثار، وهو ما أضاف إلى رؤيتها بعداً تاريخياً في قراءة الأفكار وتحولاتها.
كما أسهم تذوقها الموسيقي في تعميق إدراكها لعلاقات التناغم والنسق والإيقاع داخل البناء الفكري، وفي الانتباه إلى إمكان حضور الجمال والمرح في مقاربة المعرفة، بعيداً من الصرامة الجافة التي قد تطبع الخطاب الأكاديمي أحياناً.
وإذا كان هيغل يربط التفكير الفلسفي بمعطيات الحاضر، بوصف الفلسفة وعياً بزمنها، فإن الحاجة إلى هذا الوعي تبدو اليوم أكثر إلحاحاً في عالم يرزح تحت ضغط التشتّت وتضخم المعلومات واضطراب المعايير.
فالفلسفة، بما هي تمرين على الانتباه والنقد، لا تكتفي بملاحقة الواقع كما يبدو في سطحه المباشر، بل تعيد النظر في زواياه المتوارية، وتفتح المجال أمام تفكيك البنى الجامدة وإعادة مساءلة المسلّمات.
في هذا الحوار، تتحدث صاحبة كتاب «جانكلفيتش: محاكمة أخلاقية في هذي جمالي» عن معنى اللقب الأكاديمي، ودور الفلسفة في مواجهة التضليل، وعلاقتها بالعلم واللاهوت وأزمة المعنى، وصولاً إلى سؤال التشتّت في الطبيعة البشرية.
واللافت في رؤيتها أنها لا تستسلم للنبرة السوداوية في قراءة الواقع، بل تبحث في الفلسفة عن إمكان للمعنى والسكينة والحب والمعرفة.
*حديثا حصلتِ على رتبة البرفيسور في الفلسفة ماذا يعني لك هذا اللقب الأكاديمي؟ـ هذا اللقب هو تقدير أو تتويج لمسيرة من الإنجازات البحثية في مجال اختصاصي في الفلسفة، وكلنا نعلم أنّ البحث في المسائل الفلسفيّة يتجاوز حدود الاختصاص.
وهو رافد معرفي يعمّق التجربة الكتابية، ويمنحها أبعادا معرفيّة جديدة، وهو بالنسبة إليّ مسؤوليّة وأمانة وإقرار بمهابة العلم ووقاره وهيبته.
هذه الرتبة تتطلّب منّي شجاعة تامة للتخلّي عن الأمان الفكري.
وهنا أستذكر هذه الحكمة الأدبية: «العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك».
وسأحاول أن أحمي وأحصّن هذه الرتبة باختصصاتي المتعددة.
*قد يكونُ الخطرُ على حسن تدبر الإنسان للحياة يتمثلُ في حملات التضليل والخداع التي تواجه العقل في العصر المعلوماتي ماذا يمكن للفلسفة أن تقدمه في هذه الفوضى؟ـ بين الرأسمالية الرقمية والرأسماليّة الواقعية الحكمية ليس جديدا.
إذا راجعنا المهمات المتعلقة بالفلسفة فهي ابنة العقل تخاطبه وتتقصّى في أروقته المعرفيّة.
مهمتها (التفكير في التفكير) وهي مناصرة للبرهان ومشكّكة في البديهيات، تواجه التضليل من خلال الابتعاد عن القوالب المعلبة والجاهزة.
وهي السباقة في كشف التمثّل المعرفي ونزع الزيف عن الحقائق والتنبيه من جموح المشاعر… وهذه الأمور ليست جديدة.
ولا ننسى أفلاطون وأمثولة الكهف، وبيكون والأوهام الأربعة وبودريارد والـ(hyperreality ) التلابس بين الواقع والخيال في كتابه (simulacre et simulation) وتشومسكي وكيفيّة صناعة «الرضا الشعبي».
بالإضافة إلى تحذير الفلاسفة وخوفهم من مصائب اختراق عقول البشر وتضليلهم إلى حدّ يصل فيه الإنسان إلى عدم التمييز بين الواقع والوهم، أو بين الحقيقة والكذب.
*نشأ العلمُ في حاضنة الفلسفة، ولكن انفصل عنها واستقام مستقلا عن الوصاية، فاصبح الخطاب العلمي مهيمنا في الحاضر، مقابل هذا الخط التصاعدي للعلم كيف تبدو لك الحركة الفلسفية؟ـ هذه عمارة بديهية متكاملة بين باني المكان وحامي الكيان، لا أستطيع الفصل أو التغيير في هذه المشهدية.
بين العلم البراغماتي والفلسفة البراكسيسية، من الطبيعي أن ينسلك العلم في وتيرة تصاعدية لكي يخدم الإنسان.
هذا التباين في شكل الخدمة لا يمثل تمايزا بقدر ما يمثّل تقابلا مثاليّا وضروريّا.
الصيغة المتوازنة تتجلى في إبقاء حالة المعرفة في اطراد تام ومتوازن، بين ماذا نعرف من نسبية الحقائق وكيف نشعر حيالها.
يجب أن لا نغفل عن فكرة أساسية هي أنّ مستقبل العلم هو مستقبل الإنسان أعني بذلك الذات الإنسانية في تجليين اثنين: الاندفاعة الإجرائية لهندسة عمارة العالم، وتمديد الآفاق والحزم النقدي لرعاية البشر وحمايتهم.
وإذا اعترفنا بأنّ الفلسفة هي نبض الروح الإنسانية ومعقلها، فما نبض القيمة والأخلاق والضمير سوى نطفات حية موقّعة بوتيرة لا تمتثل لمقاييس السرعة الجامحة في العلم.
*يرى بعضُ الفلاسفة أنَّ الإنسان قد قطع حبله السري مع اللاهوت في مرحلة الحداثة وبالتالي لم يعد في حالة مديونية للمتعالي، في رأيكِ هل أدى ذلك إلى أزمة في المعنى؟ـ هذا يعود إلى مسألة ماذا نريد من الوجود؟ هل نريد الحرب أم السلام؟ وكيف نتخلص من ثقل شبح الموت الذي يطاردنا؟ هذه العناوين الكبرى تندرج تحتها عناوين أخرى، لنأخذ الحرية الآمنة وكيفية سعي الإنسان إليها.
أوّل خطوة يقدم عليها تكمن في عمليّة إسقاط التجاوز في الحلوليّة (transcendence dans l’immanence) بدلا من إرساء مفاهيم عالية.
أن تفكر فهذا يعني بماذا عليك أن تفكر… من شأن العقل أن يدبّر أفعال الإنسان الدنيويّة ومن طبيعته أن ينمو ويتطوّر.
وكلما طال عمر الإنسان ازدادت حكمته في التدبير والتسيير لكن العقل معرّض لجميع أنواع النقص والضعف.
إذا أحبّ الإنسان أن يختار (sotériologie humaniste) الديانة الإنسانية و(pensée élargie) يجب أن يكون الهدف المنشود منها السعي لتوصيل فكرة حكمة الحب.
وهذه اللفتة إلى عالم الآخر والحلول فيه أحيانا، يجب أن يصبح شرطا محايثا للحياة.
وهذا الحب الذي نعتبره من المنظور المقدّس مرادفا للمعرفة (connaitre veut dire aimer) بإمكانه أن يقرن فيه المسلك الديني بالمسلك الدنيوي.
من مهام العقل أن يستخدم الذكاء والفطنة كقاعدة ضرورية لمنح معنى للأحداث بهدف الوصول إلى حالة من الطمأنينة أو السكينة (ataraxie).
الفلسفة هي ديانة طبيعية تقتصر على إنقاذ الإنسان من مخاوفه من خلال عقيدة الخلاص تريد حقيقة حاملة لمعنى قيمي (axiologique) سواء أكان أخلاقيا، جماليا أو دينيا.
وهذا يمكن أن نسمّيه «ذكاء الضرورة».
وهي تساعد من خلال عماراتها: النظرية والأخلاقية وعقيدة الخلاص على الوصول إلى السلام.
نحن نعلم أنّ الحضور المعرفي يركز على الذات المفكرة، لدرجة إهمال موضوع تفكرها، وهذا الحضور المعرفي يقابله الحضور الدفاعي الذي يشدّد على قصور الإنسان وحاجته إلى الله.
مع العلم أنّ ما هو متاح لنا في هذا العالم هو غير كاف لمواجهة اللامعقول، وإذا سقط التمني والوعد والعزاء والأمل (المرجأ دائما) تسقط معه وثبة الاندفاعة الحيّة لذاكرة الحياة.
*يرى ألدوس هكسلي أنَّ الإنسان يعاني من شهية لامُتناهية للتشتت كيف تفهمين هذه الحالة في الطبيعة البشرية فلسفيا؟ـ نحن مصابون بكلّ أنواع التشتّت الذهني والكياني أيضا.
وما يسميه هكسلي الخطيئة الأصليّة للعقل، الذي يندرج ضمن المحفّزات الإلهائية والعبودية الطوعية للمتع والترفيه، ما هو سوى الهروب من الواقع المؤلم والضاغط المحكوم به.
حتى الإفراط في التفكير مشكلة، والهروب من التفكير الذاتي، بات مشكلة أيضا.
أعطني واقعا جديدا لألغي حالة التشتّت أعطني مآلات لتسكين الواقع الوجودي المسطّر بالخوف والملل والألم.
عندي سؤال لماذا نتغنى بهذه التصدّعات الفكرية، أو بما نسمّيه الشلل الفكري؟ فلنبحث عن مآلات أخرى أذكى منها تريح الإنسان ولا تستعبده.
التشتّت سيف ذو حدّين ذكرت الوجه السلبي منه والآن سأظهر الوجه الإبداعي النافذ على اللامنظور واللامقروء، هذا الانتباه غير المباشر أو الإشراقي المتحرّر من ثقل المادة، ومن ثقل الأنا هو شكل من أشكال البراءة المعرفية المشروطة بالحب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك