نواصل اليوم سلسلة مقالاتنا حول دعوات الحوار الوطني التي تصاعدت مؤخرا في البلاد.
وكنا في مقالنا الأول قد طرحنا في مواجهة هذه الدعوة أسئلة محورية حول إمكانية الحوار في ظل الظروف الراهنة؟ وإذا كان ممكنا، فعلى أي أسس يجب أن يبنى حتى يكون حوارا مثمرا يُخرج السودان من جب الأزمة ويجنبه التفتت؟ فمثلا، هل الحوار سيخاطب تفاصيل مسببات الحرب، أم سيكون مجرد مناورة سياسية تتعلق بالبقاء في السلطة؟ وهل سيعمل الحوار على دفع الأطراف المتحاربة للجلوس إلى مائدة التفاوض لوقف القتال؟ وهل تشمل الدعوة كل المجموعات بما في ذلك المتواجدة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، أم أن الحوار معني فقط بالقضايا السياسية في مناطق سيطرة القوات المسلحة؟ وأين وكيف تتقاطع دعوات الحوار هذه مع المبادرات الخارجية؟وفي مقالنا السابق ذاته، استعرضنا، في شكل عناوين رئيسة فقط ودون تفاصيل، تجارب الحوار السابقة في السودان، منذ مؤتمر جوبا 1947، مرورا بحوار «الوثبة» في عهد الإنقاذ، وإنتهاء بحوارات ومفاوضات الإتفاق الإطاري 2022.
وأشرنا إلى أن نتائج كل تلك الحوارات والمفاوضات كانت مخيبة للآمال.
ويبدو أن سردنا لعناوين تلك التجارب، قد أثار شجونا عند الصديق المهندس أحمد الفكي، فهاتفني وكتب إلي معلقا على ما جاء في ذاك المقال، كما لم يبخل علينا بمقترحات حول آليات الحوار والتغيير.
وقبل أن أسترسل في توضيح رؤيتي حول دعوة الحوار، رأيت، تعميما للفائدة، أن أبتدر مقال اليوم بملخص لما أثاره الأخ الفكي من نقاط هامة وتستوجب الإنتباه.
دائما ما ينظر إلى عمليات الحوار الوطني في المجال العام، بوصفها آليات لالتقاء الناس من أجل بناء تفاهم مشترك وثقة متبادلة على نحو يتجاوز اختلافاتهم وبهدف خلق محصلات إيجابيةيقول الأخ الفكي: إن محاولات الحوار السابقة، وأي محاولات لاحقة، في السودان، يجب تقييمها من حيث المضمون وطريقة تنظيم وإدارة الحوار.
فمثلا، الحوار من أجل وقف الحرب أو لتجنب إنهيار البلد أو غير ذلك، قطعا لن يحقق الغرض المرجو منه إذا لم يتم اعتراف حقيقي بالعسف الواقع على الآخر، وإذا ظلت الرغبة الكامنة هي المناورة بهدف سحق هذا الآخر وإسكات صوته.
جميعنا بات اليوم يتبنى ويردد مقولة أن السودان بلد متعدد الثقافات والأعراق والأديان، والتي قطعا يصعب التشكيك في صوابها.
ولكنا في الوقت نفسه نعجز عن التأمل العميق في معنى هذه المقولة ومتطلباتها، وهو أمر ضروري إذا أردنا فعلا أن ننجح في العيش معا وبأمان في وطن واحد.
وللأسف، بدلا عن ذلك ظللنا دائما وباستمرار نحاول أن نفرض التجانس وأن نصهر الجميع في بوتقة واحدة على شاكلة السودان الأوسط.
ثم يعرج الأخ أحمد الفكي ليشدد على ضرورة التقيد الصارم بالمناهج العلمية في إدارة شؤون السياسة وعمليات الحوار والتغيير، وأن نتوقف عن تكرار محاولات إدارة السياسة وفرض الحلول بعيدا عن فهم الواقع وتعقيداته، وباتباع أساليب غير علمية، أو على طريقة محاولة الطيران ونحن نهمل ونتجاهل قوانين الطبيعة وقوة الجاذبية الأرضية.
ويجب علينا في كل محاولاتنا لإحداث التغيير، بما في ذلك الهبات والانتفاضات وعمليات الحوار، أن لا نبقى ونحصر أنفسنا في مربع الوعي بفشل النظام الذي ثرنا عليه ورغبة شعبنا في الإطاحة به، دون أن تكون لدينا معرفة كافية بكيف يتم التغيير، أو بدون أن نحول ما نمتلك من معرفة الي مقدرات لإدارة تفاصيل عملية التغيير.
ومن موقع خبرته العملية وتخصصه في الإدارة ورسم الإستراتيجيات وتدريب القيادات في مجال الاعمال، يقترح الفكي على القوى المدنية والسياسية، دراسة وإستيعاب الأطر والنماذج العلمية لإدارة عمليات الحوار والتغيير السياسي.
وكمثال لهذه الأطر والنماذج العلمية، قدم الأخ الفكي ملخصا مختصرا للنموذج المقترح من جيفري م.
هايات في مؤلفه «أدكار» باللغة الإنجليزية، والذي يناقش لماذا تفشل بعض عمليات التغيير بينما تنجح أخرى؟ وبحسب الرسالة الواردة من الأخ الفكي، فإن نموذج «أدكار» يتكون من خمسة عناصر أو أهداف، وهي:الوعي بطبيعة وضرورة التغيير، ومخاطر التلكؤ في المبادرة به، بالإضافة إلى الوعي بالفائدة المرجوة.
الرغبة والاستعداد للانخراط في التغيير.
المعرفة بالمعلومات، والتدريب والتعليم اللازم لكيفية التغيير.
القدرة على تطبيق المهارات والسلوكيات المطلوبة لتنفيذ التغيير.
ففي النهاية القدرة هي تحويل المعرفة إلى فعل.
التعزيز لضمان إدامة التغيير، مع وضع اعتبار للعوامل الداخلية والخارجية.
ويقول الأخ أحمد الفكي إن هذه العناصر الخمسة تندرج في الترتيب الطبيعي بنسق محدد بحيث، مثلا لا يمكن أن تأتي الرغبة قبل الوعي، لأن الوعي بالحاجة إلى التغيير هو الذي يحفز رغبتنا أو يطلق مقاومتنا له.
وأيضا لا يمكن أن تأتي المعرفة قبل الرغبة لأننا لا نسعى إلى معرفة كيفية القيام بشيء لا نريد القيام به.
كذلك، لا يمكن أن تأتي القدرة قبل المعرفة لأننا لا نستطيع تنفيذ ما لا نعرفه.
أما التعزيز فلا يمكن أن يأتي قبل القدرة لأننا لا نستطيع تقدير ما تم تحقيقه إلا بعد حدوثه.
شكرا للصديق أحمد الفكي على تعليقاته الهامة.
وفي الحقيقة، دائما ما ينظر إلى عمليات الحوار الوطني في المجال العام، بوصفها آليات لالتقاء الناس من أجل بناء تفاهم مشترك وثقة متبادلة على نحو يتجاوز اختلافاتهم، وبهدف خلق محصلات إيجابية.
كما ينظر إليه باعتباره نوعا معينا من العمليات القائمة على المشاركة، والتي تتلاءم مع الاحتياجات المجتمعية، كالقدرة على حل النزاعات سلميا، والقدرة على التعاون على نحو يتجاوز الأجندة الحزبية الضيقة، والقدرة على وضع أجندة عمل شاملة لكافة القطاعات، والقدرة على تحقيق أوسع مشاركة للمواطنين.
ولهذا السبب يكتسب مفهوم الحوار الوطني معنا عميقا، لا يحتمل التبسيط أو الابتذال أو الإفراغ من المحتوى.
وسنواصل في المقالات المقبلة توضيح رؤيتنا حول مفهوم الحوار الوطني وموقفنا من الدعوات الراهنة، وذلك من خلال اجاباتنا على الأسئلة المحورية أعلاه وغيرها من النقاط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك