نحتفل بمرور خمسة وأربعين عاماً على قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية مستعرضين ما حقق وما أخفق، ومتلمسين مسببات البطء في حالات، ومستعرضين حجم الانجاز في إيجابيات المجلس، ومدركين لتعقيدات التأخير في بعض المسارات واعين لحساسياتها ومتفهمين لاثقالها ومتأكدين أن ما يصعب الوصول اليه الان سيلحق بهذا المسار التاريخي في أيام قادمة.
كنت في نيويورك عام 1981 راسماً لطرح اسمي بعد سنتين كرئيس للجمعية العامة للأمم المتحدة وجاءت لي هذا الفكرة بعد عشر سنوات قضيتها في مبنى الأمم المتحدة متوقعاً دعماً من قادة آسيا التي لها الدور في رئاسة الجمعية العامة بعد سنتين، ومقتنعاً بأنني سأصل الى الرئاسة لانها من حقوق قارة آسيا، لكن المرحوم الشيخ صباح الأحمد كان له رآي أخر، حيث أمرني بحزم أموري عائداً الى الكويت، فهناك تنظيم أخر سيطلع من غطاء خليجي غير مسبوق وأن الكويت تريدك مرشحاً لأمانته.
وبهذا التطور فلم يعد للاعتذار مكاناً وأغلقت أبواب الأمم المتحدة متحولاً الى واقع خليجي جديد جاءت ولادته من قناعة خليجبة قيادية على أعلى مستوى تؤيد التوجه الذي تقترحه الكويت في قيام إطار عام يجمع الارادة والطاقة الخليجية وينظم مسارها بما ينسجم مع أحداث العصر ومكانة الخليج في خريطة الأحداث العالمية.
وبمؤازرة قيادية خليجية جامعة انطلقت الكويت، وبمتابعة دائمة من المرحوم الشيخ جابر الأحمد أمير الكويت الذي طرح مقترح إطار للتنسيق فيه الكثير من مستجدات الأفكار تعالج قضايا الخليج وما برز من تعقيدات مست الاطار العربي العام جاءت من المسار الذي تبناه الرئيس المصري انور السادات في توجهاته نحو عقد اتفاقية صلح مع اسرائيل، فجاء موقف زعماء الخليج مؤيداً في تبني المشروع الذي خطه الشيخ جابر الأحمد كخريطة أمل وعمل لمستقبل الخليج.
كان المرحوم الشيخ صباح الأحمد يستعجل عودتي من نيويورك لكي أشاركه في زيارته الى الاتحاد السوفيتي لشرح مشروع مجلس التعاون الذي سيخرج اعلانه من ابوظبي – عاصمة دولة الامارات العربية المتحدة.
كنا في موسكو ننتظر الموقف السوفيتي، الشريك العملاق في الأمن العالمي، تجاه التجمع الخليجي الجماعي الذي ستتم الموافقة عليه في ابوظبي في شهر مايو عام 1981.
تواجد الشيخ صباح الأحمد في موسكو في آخر ابريل 1981، وهي آخر مهمة في رحلة التعريف العالمية التي قام بها الشيخ صباح الأحمد شارحاً أهداف المجلس ومسبباته ودوره المستقبلي.
كنا في موسكو في اخر زيارة من زيارات التعريف وذلك قبل الذهاب الى ابوظبي في آخر شهر مايو 1981 للاعلان من هناك عن قيام الاطار الجماعي الخليجي الذي اختاره القادة للتعامل مع قضايا الخليج والعالم العربي ومسؤولياتها العالمية.
كان جرميكو وزير خارجية متفهماً وإيجابياً عندما أكد أن الاتحاد السوفيتي يؤيد التوجه الخليجي، مضيفاً: وفي نوع من التمنيات، باتباع المجلس المقترح المسار الكويتي، وهو يبارك هذا المشروع.
بعد موسكو توجهت في جولة خليجية أنقل الى دول الخليج جوهر ما دار في تلك الزيارة وشرح الموقف الروسي، من المشروع الخليجي الكبير وعدت الى الكويت ناقلاً التقدير الخليجي للجهد الكويتي حول منظور مستقبلي ايجابي تنتظره جميع دول الخليج.
انطلقت أجهزة الاعلام والصحافة نحو مدينة ابوظبي عاصمة دولة الامارات العربية التي ستشهد ولادة المشروع الخليجي الجماعي الذي سيتولد من قناعة خليجية ترى فيه الاطار الملائم للتعامل مع القرن القادم.
كنت استذكر الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للامم المتحدة التي انعقدت بعد حرب أكتوبر 1973 في ضوء قرار المملكة العربية السعودية بمنع تصدير النفط للولايات المتحدة وبدعم من دول الخليج واثقال الأزمة التي تسيدت العالم وأدت الى عقد دورة استثنائية للأمم المتحدة كان النفط القوة الأعظم في جدول أعمالها.
وكان سلوك دول الخليج المنتجة للنفط خلال انعقاد الدورة موقع المراقبة من الرأي العام العالمي وانطلقت المملكة والدول الأخرى متأكدة بحتمية التفاهم والتوافق لحماية النفط من أمواج السياسة وتقلباتها.
ومنذ ذلك التاريخ تمتع النفط بوقاية من تلوثات السياسة وترابط العالم بعدها بشبكة صلبة وثابتة تصد النفط من شطحات السياسة.
كان المناخ السياسي العالمي على ثقة بدور القمة الخليجية القادمة في ابوظبي في تعظيم أعمدة الاعتدال التي ستضيف سياجاً قوياً يحصن النفط من تسللات السياسة.
تحققت توقعات العالم بتأكيدات البيان الختامي الذي صدر من قمة مجلس التعاون مع توقيع القادة على ميثاق المجلس واختيار الأمين العام وكان نصيبي أن أبقى في المجلس حوالي عشر سنوات عشتها قريباً من الملوك والشيوخ والسلاطين الذين يتحكمون بنسبة عالية من ملكية الطاقة ولهم موقع مميز في الحكمة وفي تأمين الاستقرار والسلام العالميين وفي وضع يتيح لهذه القيادات الخليجية تأمين الجودة والسلامة للاسرة العالمية التي تعتمد على ما تصدره هذه الدول من الطاقة.
جاء البيان الختامي الذي صدر من قمة ابو ظبي في 25 مايو 1981، معبراً عن قرار قادة الخليج الجماعي ومترجماً نغمة الاعتدال وجوهره صفاء الصداقة والمودة مع الجميع وأهدافه البناء والوئام، وعطاؤه الشراكة في الخير وضخ حصاده في توفير الأمل للجميع.
دونت ذكرياتي في مسار المجلس في كتاب اسمه ينطق بمحتواه «بين الملوك والشيوخ والسلاطين» يوميات الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية 1981 - 1993، ولازلت سعيداً بمحتواه وراضياً عما كتب عنه، لكني توقفت عن طباعته بعد ان تكررت عملية الطباعة.
كانت سنوات تأثرت كثيراً من تواجدي بين أصحاب الجلالة والسمو قادة الخليج ومن متابعتي لما يقدمة أصحاب الجلالة والسمو من آراء حول مشروع القرارات التى يوافق عليها وزراء الخارجية وترفع للقادة لمباركتهم بالمصادقة، كان النقاش بين القادة ملتزماَ بقوة الترابط وعلو الاحترام وصدق الود، ورقة التعبير مع الحرص على تحقيق التوافق الذى لا بديل عنه لتأمين سلامة مسيرة المجلس، وظل هذا المبدأ عاملاً نافذاً ومصيرياً لتأمين النجاح الكامل في مسيرة المجلس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك