لم يكن تطور الشعر وأدوات النقد الأدبي حكراً على حواضر المشرق العربي وحده؛ إذ تمثلت بلاد الأندلس بقعةً جغرافية وحضارية بالغة الأهمية لشغل مساحة متقدمة في صياغة قالب جديد ومبتكر للأدب والشعر العربي؛ فمع جحافل الفاتحين المسلمين الذين وطئت أقدامهم تلك الفردوس، وفدت اللغة العربية بجرَسها القديم، وأساليبها الموروثة في قول الشعر وقرضه، وهي التي نبتت في أصلها الأول داخل قسوة البيئة البدوية وصحرائها الممتدة.
بيد أن استقرار تلك الثنائية اللغوية والبشرية في حواضر كبرى مثل قرطبة الشامخة، وإشبيلية الخصيبة، وطليطلة الحالمة، وغرناطة الوادعة، قد أحدث تحولاً جذرياً في مسار الإبداع؛ حيث تمازجت الصلابة البدوية الموروثة مع عذوبة الطبيعة الأندلسية المترعة بالخضرة الممتدة، وجريان المياه المنسابة.
ومن رحم هذا الامتزاج الأنيق، انبعث أسلوب أدبي ونقدي متفرّد في خصائصه ومغاير لنظيره المشرقي، متجلياً في ولادة فنون شعرية مستحدثة كالموشحات الساحرة والأزجال العذبة، التي سرعان ما تبوأت مكانة رفيعة واستأثرت بجمهور عريض من الخاصة والعامة على حد سواء.
ونتيجة لتلك الطفرة الإبداعية الكبرى، وتدفق القرائح بالشعر في تلك الحقبة الزاهرة، غدا من الضرورة بمكان إيجاد ميزان نقدي دقيق ومعيار علمي واضح، يتسنى من خلاله تقويم القصائد وتمييز الغث من السمين، وفرز القوي من الواهن في لطائف اللفظ وبواطن المعنى؛ ومن هذا المنطلق المعرفي، تبلورت حركة النقد الأدبي في الأندلس مدفوعة بالرغبة في صون أصول البلاغة وحفظ لسان العرب من الهجنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك