تعانق بحيرة طنقة شمال شرقي الجزائر مساحاتٍ من الجبال والغابات، وتكتسب أهمية عالمية نظراً إلى فرادتها وتنوّعها البيولوجي، إذ تحتضن أصنافاً نادرة من النباتات والطيور والحيوانات وتشكّل امتداداً طبيعياً ساحراً.
على بُعد أربعة كيلومترات من مدينة القالة السياحية شمال شرقي الجزائر، تقع بحيرة طنقة بوصفها واحدة من أجمل البحيرات وأكثرها ندرة في شمال أفريقيا، إذ تمنحها خصوصيّتها البيئية هذا التميّز من حيث الطبيعة والتنوّع النباتي والحيواني.
وهو ما فرض تصنيفها محمية طبيعية عالمية، تحتضن طيوراً ونباتاتٍ نادرة، وتتعانق مياهها مع الجبال والمساحات الخضراء والغابات الكثيفة، وقد اكتسبت أهمية عالمية كونها فريدة من نوعها على مستوى البحر المتوسط، حتى لُقّبت بـ" أمازون الجزائر".
يعمل الجزائري علي دليلاً سياحيّاً في البحيرة منذ أكثر من ثلاثة عقود، وينظّم عبر قوارب صغيرة جولات قصيرة داخلها تتيح للزوّار الاطّلاع على أجوائها بين الأشجار الكثيفة والطيور والنباتات.
يبدأ موسم عمله في مطلع شهر مارس/آذار من كلّ عام، حين يكثر زوّار البحيرة، خصوصاً أنّها تقع على الطريق المؤدّي إلى المعبر البري بين الجزائر وتونس.
يقول علي لـ" العربي الجديد": " النظر إلى البحيرة من بعيد يُعطي مشهدية تُخالف الحقيقة، لكن حين تلامس المياه بِيدَيك، ستجد أنّها صافية، وأنّ اللون الأسود هو مجرد انعكاس للأشجار المنتصبة في محيطها.
وكلّما غاص الزائر أكثر في البحيرة عبر جولة القارب، يكتشف مشاهد رائعة، وهدوء كبير ومساحات خضراء وجمال لا يُوصف".
يدفع الزوّار أقلّ من أربعة دولارات أميركية مقابل جولة تدوم نصف ساعة، وتتّسع القوارب الصغيرة عادة لأربعة أفراد، وأنجزت السلطات الجزائرية على طرف البحيرة موقفاً صغيراً وسُلّماً خشبيّاً يتيحان للزوّار التمتّع بسحر البحيرة وجمالها الخلّاب.
يتردد رضا دنداني، المقيم في مدينة عنابة، على بحيرة طنقة بين الحين والآخر، ويقول لـ" العربي الجديد": " أزور البحيرة مرة أو أكثر في الشهر، إنّها مكان رائع يهدّئ الأعصاب، خصوصاً بالنسبة لسكان المدن الصاخبة، وعادة ما أصطحب معي أحفادي لنقضي وقتاً ممتعاً ونتناول طعام الغداء".
وتُعدّ طنقة من أبرز المناطق الرطبة في الجزائر، وتُعتبر مستنقعاً كبيراً للمياه العذبة المصنّفة منطقة حماية مُطلقة، وتتصل بمياه البحر المتوسط من خلال قناة مسيدا الاصطناعية.
تمتدّ البحيرة على مساحة 2600 هكتار، بطول يتجاوز سبعة كيلومترات وعرض يقارب أربعة كيلومترات، في حين يبلغ متوسط عمق البحيرة نحو 2.
2 متر.
كما أنّها تتزوّد بالمياه من منابع وواديَين يتصلان بها.
وتُمثّل البحيرة أحد أهم المواقع الشتوية للطيور المائية في شمال أفريقيا، بحكم خصائصها ومميّزاتها، إذ يحطّ بها سنويّاً أكثر من 20 ألف طائر، وهي موقع مثالي لبناء أعشاش عدد كبير من الطيور.
وتؤوي البحيرة ومحيطها العديد من البرمائيات والزواحف وثعبان العشب والسلحفاة اليونانية والعلجوم، كما تضمّ أنواعاً عديدة من الثدييات التي تعيش في الوسط الغابي وعلى ضفاف البحيرة، مثل حيوان الزريقاء، وابن عرس، وابن آوى، والضبع المخطّط، والثعلب، وكلب الماء الذي يُعدّ نوعاً نادراً.
وتشهد البحيرة سلسلة بحوث علمية وأنشطة دراسية، تهدف إلى الحفاظ على الموارد البيولوجية الطبيعية.
كما تُنفَّذ قربها أنشطة زراعية، أساسها البستنة، مثل زراعة الفول السوداني والبطيخ، إلى جانب تربية النحل والمواشي، لا سيّما الأبقار، إضافة الى بعض الأنشطة الاقتصادية الحيوية مثل السياحة البيئية والصيد الحرفي لسمك الحنكليس.
كما تلعب دوراً مهماً من خلال إسهامها في تنظيم تدفقات المجاري المائية والوقاية من الفيضانات.
أمّا نباتات بحيرة طنقة، فتتنوّع بين غابة العود الأحمر، والنوفر الأبيض، وقصب الماء، والطحالب، وغيرها.
كما تعيش في بحيرة طنقة أنواع عديدة من الأسماك، مثل سمك الشبوط، والحنكليس.
وتشكّل البحيرة بسحرها الطبيعي الأخّاذ موقعاً مثاليّاً يمكن استغلاله لتصوير الأفلام السينمائية والوثائقية.
ويؤكّد الناشط المهتمّ بالبيئة كريم كرار لـ" العربي الجديد" أنّ" بحيرة طنقة منطقة سياحية رائعة، وفي حال ركّزت عليها السلطات من خلال تنفيذ مشاريع، فإنّه يمكن أن تتحوّل إلى نقطة استقطابٍ كبير، خصوصاً أنّها تجمع بين الطبيعة والمياه، ,بين الغابة والبحر، وتضمّ الكثير من الطيور والنباتات المتنوّعة".
في محيط البحيرة، أنشأت السلطات الجزائرية مسالك سياحية وبيئية ومتنزّهات تتيح للعائلات والزوّار الاستمتاع بجمال المنطقة وبقسطٍ من الراحة والهدوء وسط غابة من الأشجار الكثيفة.
وقد أُنجز مسلك للدراجات الهوائية، ومتنزّه سياحي، ومساحة خضراء، ومخيم للأطفال والشباب يستقطب الرحلات المدرسية وأطفال الجمعيات والأفواج الكشفية.
ويتكثف النشاط السياحي بشكل أكبر خلال فصل الصيف، بحكم قرب بحيرة طنقة من الشاطئ.
وقد وفّرت السلطات وسائل النقل من البحيرة وإليها، حيث تقع ضمن مسلك حافلات النقل العام التي تربط بين مدينة القالة وبلدة السوارخ في ولاية الطارف شمال شرقي الجزائر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك