قضيت خمسة أيام تقريباً في رحلة عقلية ممتعة ومهيبة بين صفحات رواية “من العالم الآخر” للكاتب الفرنسي برنار فربير.
كانت رحلة مليئة بالمعلومات المثيرة التي دفعتني للبحث الاستقصائي مستعينةً بكل طريقة ممكنة لفك شفرات ما قرأت.
وقد شدّ انتباهي وأشعل في داخلي رغبة عارمة في التقصي، صفحتان محددتان من الرواية (من الصفحة 381 إلى 382) تتناولان مرحلة غامضة ومفصلية من حياة الأديب والشاعر والفيلسوف الفرنسي الشهير فيكتور هوجو.
يأخذنا النص الروائي إلى عام 1852، حين لزم هوجو عزلة اختيارية وقسرية في جزيرة جيرسي عقب الانقلاب السياسي لنابليون الثالث وإقصائه.
هناك؛ في تلك الجزيرة المعزولة، أقنعته إحدى صديقاته الشاعرات ببدء تجربة غريبة عليه تماماً، وهي جلسات “تحضير الأرواح” عبر ما كان يُعرف بالموائد الدوّارة عام 1853.
ورغم تشككه الشديد وسخريته في البداية، إلا أن اهتزاز الطاولة في إحدى الجلسات الليلية وظهور روح ادّعت أنها ابنته المتوفاة غرقاً “ليوبولدين” قلَب موازينه الفكرية رأساً على عقب؛ فتحول من التشكك إلى الإيمان المتحمس، وشرع يدوّن بدقة بالغة حواراته المزعومة مع أرواح الموتى والشخصيات التاريخية والأسطورية باللغة الفرنسية.
استمرت هذه اللقاءات الليلية الغامضة حتى عام 1855، وتوقفت فجأة وبشكل دراماتيكي بعد إصابة أحد المشاركين بنوبة جنون صاعقة أدت لنقله مباشرة إلى المصحة العقلية، ليعقب ذلك إبعاد هوغو عن الجزيرة لأسباب سياسية وانتقاله إلى جزيرة غيرنيزي، تاركاً خلفه أثاث منزله وقد حفر عليه بيده أسماء العظماء الذين زعم أنه تواصل معهم من العالم الآخر.
هذا النص الروائي المثير فتح أمامي بوابات التساؤل حول علاقة هذا الأديب العالمي بالروحانيات والماورائيات، لكن ما أثار دهشتي وصدمتي الحقيقية كان عندما تعمقت في البحث عن قصائده وأعماله المرتبطة بالشرق، لأجد قصيدة مشهورة له بعنوان “آية من القرآن”، صاغها وهو متأثر بشكل كلي وصريح بكلمات وآيات سورة شهيرة من القرآن الكريم وهي سورة الزلزلة.
وردت هذه القصيدة في ديوانه الملحمي المعنون بأسطورة العصور، وهو أشبه ما يكون بملحمة تاريخية للعصور البشرية وتقلباتها من الظلمات للنور.
وسورة الزلزلة هي السورة الوحيدة التي تأثر بها فيكتور هوجو في ديوانه كله بالقرآن الكريم.
يقول هوجو في هذه الأبيات مستلهماً المَشاهد القيامية:“ستزلزل الأرض زلزالاً شديداً، وسيقول الناس: ما لها؟ يومئذ، وهم يخرجون من الظلمة في حشد مثل ثعابين، غبراً، يقبل الموتى ليروا أعمالهم، فالذين عملوا الشر مقدار نملة يروه، ويكون الله لهم أقل وداً؛ والذين عملوا الخير ما يزن ذبابة يروه، ويكون الشيطان لهم أقل لدّاً”.
إن هذا التناص البديع والعميق مع النص القرآني جعلني أضرب أخماساً بأسداس، ودفعني للبحث بشكل أعمق في ديوان آخر كتبه ونشره بعد تلك الحقبة الطويلة من جلسات استحضار الأرواح، وهو ديوان “التأملات” الذي يضم قصيدته الشهيرة الفلسفية “ما يقوله الفم المظلم”.
تبدأ القصيدة بمشهد رمزي غاية في الغموض، يروي فيه هوجو أنه كان واقفاً قرب “دولمن” (وهو نصب حجري قديم يرتبط بالمقابر والطقوس القديمة)، فظهر له كائن غامض أو “شبح” من العالم الآخر، وبدأ يكشف له أسرار الكون، والروح، والخلق، والمصير، وكأنها عملية تلقين غيبي.
من هنا ينبثق السؤال الجوهري الذي عصف بذهني وأرّق تفكيري: ما هي قصة ذلك الشبح الذي ظهر له عند حجر دولمن؟ وما علاقة سورة الزلزلة وسرها العظيم الذي يعرفه الكثير من الروحانيين من قراء القرآن وحفظته، وبالأخص أرباب التصوف والباطنية الذين يرون فيها طاقة كبرى تتعلق بالتحولات الكونية وتطهير الأرواح، ما علاقتها بكل تلك التجربة الروحية القاسية التي عاشها هوجو مع الطاولات المستديرة واستنطاق الموتى؟ المثير للدهشة والريبة معاً أن هذه السورة العظيمة لا تزال تشكل مركزاً لافتاً في الأحداث الجيوسياسية والروحية المعاصرة؛ فهي السورة الوحيدة التي غردت بآياتها حسابات تابعة للاحتلال الإسرائيلي على منصة إكس (تويتر) عند بداية حدث “طوفان الأقصى” الذي هز المنطقة، وهي السورة ذاتها التي غردت بها حسابات إيرانية عقب الهجمات الأخيرة، وكأن هناك إدراكاً جمعياً، خفياً وسياسياً، بقدرة هذه السورة على التعبير عن الهزات الوجودية الكبرى، والربط الدائم بينها وبين الأرواح والماورائيات والعالم الآخر.
والآن، نكتشف أن هذه السورة العظيمة كانت ملهمة للأديب الفرنسي الكبير، الذي تذهب بعض الروايات التاريخية المتداولة إلى الزعم بأنه اعتنق الإسلام في أواخر حياته وكتم إيمانه خوفاً من الملاحقات السياسية والاجتماعية في فرنسا القرن التاسع عشر.
فهل كان هوجو يدرك، عبر أرواح الشعر التي تلهمه وشياطينه التي كانت تلقمه الكلمات كما كانت تلقم المتنبي وشعراء الجاهلية وادي عبقر، السر الروحاني الباطني لسورة الزلزلة؟ أم أن كل هذه التجليات والأبيات الدقيقة لم تكن سوى ثمرة طبيعية لاطلاعه الواسع على الآداب الشرقية وتعمقه المعرفي في قراءة القرآن الكريم وسوره وآياته؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك