روسيا اليوم - أشبه بفيلم أكشن.. رجال ونساء يتبادلون اللكمات وسط تطاير الحقائب في شجار جماعي بميامي (فيديوهات) فرانس 24 - مونديال 2026: تعادل إنكلترا وغانا (0-0) يضعهما على مشارف دور الـ32 Independent عربية - موجة الحر الأوروبية: غرق قاصرين في بحيرة بلجيكية روسيا اليوم - "واللا": مخاوف إسرائيلية من محاولة أسر جنود في جنوب لبنان فرانس 24 - الإمارات تطلق أول قطار ركاب نهاية يونيو وخدمات الربط تبدأ تدريجيا روسيا اليوم - توسك: مؤتمر أوكرانيا سيكون أكثر جدوى بدون زيلينسكي روسيا اليوم - تحذيرات إسرائيلية من تحرك للجيش المصري.. وتقرير يتحدث عن تغير موازين القوى روسيا اليوم - في ليلة تاريخية لرونالدو.. البرتغال تكتسح أوزبكستان بخماسية نظيفة Independent عربية - الدنمارك تنشر مجندين في غرينلاند التلفزيون العربي - كأس العالم 2026.. التعادل السلبي يحسم مواجهة إنكلترا وغانا
عامة

القراءة الصيفية: من نعاسي يستفيق الكتاب

القدس العربي
القدس العربي منذ ساعتين
1

كلما حل فصل الصيف إلا وأعادتني الذاكرة إلى الموسم الذي يفتح شهية القراءة، رغم الحرارة المرتفعة أحيانا والخانقة في حالات الرطوبة، كنت أجد متعة كبيرة في تلقف الصفحات تلو الصفحات في بهو بيتنا، أو ما نسمي...

كلما حل فصل الصيف إلا وأعادتني الذاكرة إلى الموسم الذي يفتح شهية القراءة، رغم الحرارة المرتفعة أحيانا والخانقة في حالات الرطوبة، كنت أجد متعة كبيرة في تلقف الصفحات تلو الصفحات في بهو بيتنا، أو ما نسميه في البيوت القصورية بـ»الدار» وهي مساحة مسقوفة مفتوحة على السماء بفوهة نطلق عليها «عين الدار»، تدعى في بعض البلاد بالسماوة.

كنا نتخذ الدار فضاء للمبيت قبل اشتداد الحرارة حيث نصعد إلى السطح.

من حكايا الكتاب إلى سكون الصيف:كنت أنام على كتابي وأستيقظ عليه وبقربه ساعتي Jivex ذات اللوحة الخضراء والمؤشرات المربعة الفضية، لحظة فتح عيني على هذا المشهد كنت أشعرني شخصية ناضجة معتدة بنفسها، كانت الألوان الصباحية الخافتة المنزلقة من زرقة السماء وصفار شروق الشمس ورمادية الطوب، جميعها تنعكس على شكل الكتاب وهو يستفيق من نعاسي، كان حلما مستمرا يسلمني في الليل من حكاياه إلى سكون الصيف الثقيل، حينما لا يتبقى سوى نقيق الضفادع المنبعث من أقاصي جهة الوادي.

من أوائل كتبي التي تأملتها وأنصت إلى خشخشة أوراقها، لاعبتها كطفل وسَرَتْ في خيالي كحكايات أستمتع بذكرياتها في علاقتي المبكرة بالقراءة لمسا للكتاب؛ كتاب «ابن الفقير» لمولود فرعون وكتاب «رأس الجزرة» لجيل رونار، لم أعرف فك الحرف بعد، كان الكتاب حينها مجرد لعبة تحملَتْ خربشاتي الأولى التي انطبعت كذاكرة عتيقة لما سيسفر عنه ارتمائي في حضن الإبداع قراءة وكتابة.

في أوائل الطفولة وفي بداية الصفوف الإعدادية، صاحبني كتاب «دافيد كوبرفيلد» لتشارلز ديكنز، ومسرحية «التراب» لأبي العيد دودو.

كانت قراءاتي في الصيف تتنوع بين الفكرية والأدبية، لكن ما كان يمتعني حقيقة هو اقتناء المجلات الوطنية والعربية، لكن لماذا يعتبر الصيف جالبا للقراءة، رغم الحرارة وما تخلفه من كسل وفتور؟ونحن أطفال وفي مقتبل الشباب، ربما كان التحرر من مقاعد الدراسة الباعث الأول على ذلك، لأنه تحرر أيضا من برنامج دراسي مفروض على التلميذ والطالب، وعليهما التهامه وقد يهضمانه، لكن فكرة الإكراه كانت عائقا لا نتخلص منه إلا في الصيف.

عديد من الكتاب والأدباء عربا وغربيين تعرضوا لفكرة الكتابة والقراءة صيفا؛ عنونوا كتبا لهم بذلك كما فعل طه حسين، وبحثوا في الظاهرة كما فعلت الكاتبة الأمريكية دونا هارينغتر لوكر.

العمى الرائي وأصوات طه حسين المتخيلةيصف طه حسين في كتابه «رحلة الربيع والصيف» لحظة من لحظات الصيف: «وكنا قد خلعنا يوما قائظا محرقا، ودخلنا في ليل رطب ثقيل، وكان الجو من حولنا ساكنا جامدا كأنه مخنوق مكدود قد احتبست أنفاسه احتباسا».

هذا المناخ الذي يصوره الكاتب يحيل إلى كتلة تجثم على خفة شخص تتداوله حرارة شديدة ورطوبة ثقيلة، وهو بين هذا وذاك يعايش أنفاسه المختنقة، لكن، ألم يكن هذا هو طه حسين، الذي لا يمكن تصوره خارج طقس القراءة حتى في مثل هذه الحال، مستحيل أن يفارق الكتاب وهو المفتون بالدرس والبحث والاختلاف، يستحيل أن يفارق القراءة كاستحالة عودة البصر إليه، لأن الكتاب في حياته يعتبر استعاضة عن النظر الذي فقده؛ الصوت كان الجسر الوحيد بينه وبين عالم الناس المرئي بالنسبة لهم والمسموع بالنسبة إليه، لا يمكن أن يغادر صفحة القراءة إلا إذا كان قد استغنى عن العالم والحياة التي تحيطه وتذكره بأنه ما زال على حافة الوعي يجادل ويختلف ويعارك أولئك الذين يتهجون الحرف ويعرفون شكله، وهو الذي يخلق للحرف أشكالا متخيلة تفوق أحادية ذلك الحرف المسكين الذي سجنه شكله في عين قارئ بصير، لا يحيد به ولا ينحرف نحو مُتَعِ وإغراءات التحول الأميبي والفانتازي الذي يمنحه أبعادا أخرى توحي بحيوات متعددة للكائن المرئي المحصور في شكله المقيس بالهيئة الهندسية.

في الكتاب نفسه يتساءل طه حسين: «أكانت باريس التي رأيتها هذا العام كباريس التي رأيتها منذ عامين؟ ».

هل يرى طه حسين أو يسمع؟ ما معنى أن يرى الأعمى؟ ألم يقل المتنبي في بيته المشهور:أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعتْ كلماتي من به صممينظر الأعمى إلى دواخله، رؤية جوانية تتجلى له فيها عوالمُ الأشياء بأشكالها وألوانها المنحبسة في منظورات المبصرين في حدود ما تظهر به، بينما تتشظى في منظورات «العمى الرائي» إلى كيانات متجددة في أشكالها، لا تقف عند حد، وهو ما يخلق الصور المتوالدة في خيال من يغلق عينيه ليستسلم لتلك العتمة المفتوحة على أشكال شبحية تتقافز في بوتقة العتمة عند انطباق الجفنين على بعضهما، إنها لحظة استمتاع بما هو منفلت من الإدراك، خارج المعنى وخارج عجز اللغة عن التعبير.

«العمى الرائي» هو الذي دفع طه حسين إلى الرغبة الملحة في العودة إلى فسحة السماع: «وأتلمس العودة إلى عالمي الذي أجد فيه الأنس واللذة والدعة -الليل مظلم مدلهم- عالم الأصوات المختلطة تتألف من الموج والريح والسفينة».

في مستوى «العمى الرائي» تمتزج الصورة غير المضبوطة وانسياحها في اللاشكل واللامكان بالصوت الذي تشكله هي ذاتها من تناهيات انحلالها السحري في اللاشيء.

في آخر كتاب «رحلة الربيع والصيف» يخاطب طه حسين ابنه: «هلم يا بني، لنطو الآن حديث السفر والصيف، ولنستقبل الخريف وأحاديثه»؛ هناك أحاديث للفصول، وكل فصل ينفخ في اللغة روح سريانها في المعنى فتنتج نصا متوافقا ومناخ الفصل، وسيجد طه حسين ما يكتبه ويتخيله وفق «العمى الرائي» ولا نعرف كيف يجده: «فإن للخريف حديثا، سيتحدث إليك عن المدرسة والأساتذة والرفاق، وسيتحدث إلى أبيك عن الجامعة والطلاب والزملاء والأدب العربي القديم».

في كتابه «من لغو الصيف إلى جد الشتاء» يصف طه حسين رتابة الحياة الصيفية، يصف الصيف باللغو والشتاء بالجد: «وفي الصيف تهدأ الحياة ويأخذها الكسل من جميع أطرافها، فتوشك أن تنام ولا تسير إلا على مهل يشبه الوقوف».

يقف طه حسين على حقيقة جوهرية في معنى الحياة التي تعرف الوقوف؛ ثقل الجو في الصيف يجعل الحياة في عطالة حركية، الخطير فيها أن تصل إلى مستوى شلل الفكر، ولهذا ربما نبادر وبلذة إلى نشر صفحات كتبنا وبسطها على مائدة وجباتنا الروحية التي تنقلنا من سكون الصيف في القيظ النهاري إلى حراكه الخيالي في الليل المرسوم على لمعان نجوم السماء الصافية، ذلك الصفو الذي نرى به خيالات الشخوص والأفكار في طيات الصفحات تتحرك كما لو أنها على جدارٍ في السينما الصامتة، ونحن بمتعتنا في اكتشاف العلاقة بين الصيف والقراءة نمنحها من الأصوات المتخيلة أو «الخيال السمعي» بتعبير ت.

س.

اليوت.

فراغ الصيف بوصفه لحظة للقراءةمن الكتاب الغربيين الذين اهتموا بالقراءة في الصيف، الكاتبة والأكاديمية الأمريكية دونا هارينغتون ـ لوكر في كتابها «كتب لساعات الفراغ: صناعة النشر في القرن التاسع عشر وصعود القراءة الصيفية».

تتناول الكاتبة القراءة الصيفية باعتبارها «ظاهرة ثقافية»، متتبعة جذورها التاريخية في الولايات المتحدة، واعتمدت في ذلك على «سجلات النشر ومذكرات القراء وروايات تلك الحقبة»، وهو ما يكشف عن علاقة ما بين القراءة الصيفية وعموم مستويات الحياة العملية والثقافية والترفيهية، فسجلات النشر تُعد مؤشرا على المطبوعات الأدبية الرائجة في ذلك الزمن، وهو ما يحدد طبيعة القراءة المتداولة، ومذكرات القراء إضافة إلى أنها تحدد مواضيعهم المحببة فإنها تكشف عن الوشائج العاطفية والفكرية التي تثيرها القراءات الصيفية، أما روايات تلك الحقبة فتعيدنا إلى دور النشر وأذواق القراء.

تبين الباحثة في هذه الدراسة كيف انتقلت القراءة الصيفية من مجرد «تزجية للوقت»، أو «عادة مشبوهة» لدى المحافظين، خصوصا في ما يتعلق باليافعات، إلى حركية اجتماعية تلتقي فيها مصالح دور النشر في تحقيق مبيعات كبيرة ورغبة الطبقة الوسطى في «تمضية أوقات مفيدة» تتحقق فيها المنفعة العقلية، الاسترخاء النفسي، الراحة والسكون.

كم نكون بعيدين عن استلهام بعض جوانب الحقيقة في موضوع ما، كما هو الحال بالنسبة للقراءة الصيفية، جهلا منا بانعدام الاهتمام بها كحقل للبحث السوسيولوجي كما فعلت دونا هارينغتون، ويتبين لنا خلال التفكير العفوي في الموضوعة بأنها ذات أهمية قصوى بالنسبة لحركية المجتمع الناشدة للتغير وتشكيل ذهنيات يتوافق فيها الانفتاح العقلي مع المصلحة المجتمعية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك