روسيا اليوم - أشبه بفيلم أكشن.. رجال ونساء يتبادلون اللكمات وسط تطاير الحقائب في شجار جماعي بميامي (فيديوهات) فرانس 24 - مونديال 2026: تعادل إنكلترا وغانا (0-0) يضعهما على مشارف دور الـ32 Independent عربية - موجة الحر الأوروبية: غرق قاصرين في بحيرة بلجيكية روسيا اليوم - "واللا": مخاوف إسرائيلية من محاولة أسر جنود في جنوب لبنان فرانس 24 - الإمارات تطلق أول قطار ركاب نهاية يونيو وخدمات الربط تبدأ تدريجيا روسيا اليوم - توسك: مؤتمر أوكرانيا سيكون أكثر جدوى بدون زيلينسكي روسيا اليوم - تحذيرات إسرائيلية من تحرك للجيش المصري.. وتقرير يتحدث عن تغير موازين القوى روسيا اليوم - في ليلة تاريخية لرونالدو.. البرتغال تكتسح أوزبكستان بخماسية نظيفة Independent عربية - الدنمارك تنشر مجندين في غرينلاند التلفزيون العربي - كأس العالم 2026.. التعادل السلبي يحسم مواجهة إنكلترا وغانا
عامة

حين يصبح الغش عقلانيا

القدس العربي
القدس العربي منذ ساعتين
2

مع كل موسم امتحانات متوسطة وثانوية، تتجه الأنظار إلى مراكز الامتحانات، وتُستنفر وزارة التربية وغيرها من مؤسسات الدولة لحماية مصداقية هذه المحطة المصيرية في حياة الطلاب، وتتكثف المراقبة، وتتطور وسائل ا...

مع كل موسم امتحانات متوسطة وثانوية، تتجه الأنظار إلى مراكز الامتحانات، وتُستنفر وزارة التربية وغيرها من مؤسسات الدولة لحماية مصداقية هذه المحطة المصيرية في حياة الطلاب، وتتكثف المراقبة، وتتطور وسائل الكشف عن الغش، وتُسخر الموارد البشرية والتقنية لضمان تكافؤ الفرص، غير أن تكرار الظاهرة عاما بعد عام، وتطور وسائلها بما يتناسب مع تطور أنظمة المراقبة، يُفرض سؤال: هل نحن أمام أزمة غش، أم أمام أزمة ثقة بين المواطن ومؤسساته؟في القراءة النفسية، لا يقرأ الغش كسلوك منحرف بالضرورة، بل كلغة تكيف يختارها العقل البشري، حين يواجه تناقضا صارخا بين متطلبات النجاح وإمكانياته الحقيقية، فالتلميذ الذي يلجأ إلى الغش ليس شريرا، ولا فاقدا للضمير، بل غالبا هو شخص وقع في فخ ما يسمى «العجز المتعلم»، حيث أيقن أن جهده وحده لم يعد كافيا لتحقيق ما يُتوقع منه في مجتمع تتحكم بالنجاح فيه عوامل لا علاقة لها بالكفاءة.

في مجتمعات المحسوبية والولاء يصبح الغش ميزة وليس عيبا، حيث تبنى فيها المؤسسات على المحسوبية والواسطة، وتُمنح الوظائف بالعلاقات لا بالكفاءاتوتشير الدراسات النفسية، إلى أن التلميذ أمام الامتحان يمر بمراحل تقييم معقدة: يدرك الخطر المتمثل بالفشل وما يحمله من وصمة اجتماعية وخيبة أمل أسرة، ثم يقيم قدرته على المواجهة، فإذا شعر أن ذاكرته وتركيزه وجهوده لن تفي بالغرض، يبدأ بالبحث عن استراتيجيات بديلة، وهنا يظهر الغش كاستراتيجية مواجهة يصفها العقل، في لحظة ضغط، بأنها «أقل شرا» من الفشل المدمر.

وما يثير اهتمام الباحثين التربويين ليس مجرد وجود الغش، بل تطور وسائله بما يتناسب مع تطور أدوات المراقبة، وهذه الظاهرة تُعرف في علم النفس التربوي بسباق التسلح النفسي.

وحين زادت المراقبة المباشرة، تطور الغش إلى طرق خفية، حين جُرمت الهواتف، تطورت سماعات البلوتوث.

حين مُنعت الأجهزة الإلكترونية، عاد الغش إلى أدوات بدائية مبتكرة: الكتابة على المساطر، قصاصات ورقية مصغرة بأحجام صغيرة، واليوم، مع ظهور الذكاء الاصطناعي، يتحول الغش إلى استشارة وأدوات ذكية يسهل تبريرها نفسيا.

وهذا التطور المستمر لا يدل فقط على إصرار على الغش، بل يكشف عن قدرات ذهنية إبداعية حقيقية لدى الطلبة، تُوظف في التحايل بدل التحصيل العلمي، وهي طاقة إبداعية ضائعة، كان يمكن أن تنتج اختراعات أو حلولا للمشكلات، لكن انصبت على تطوير أدوات تجاوز الأنظمة.

ويبرر الطلبة الغش، دون شعور معظمهم بالذنب العميق، وهي آلية تقليل التنافر المعرفي، ويحافظ التلميذ على صورته الذاتية كشخص جيد ومجتهد رغم غشه عبر سلسلة من التبريرات التي تتصاعد تدريجيا، حيث يبدأ الأمر «بالجميع يغش»، ولو لم أفعل لخسرت وحدي، ثم يتطور إلى الامتحان نفسه غير عادل، فأنا أستعيد حقي فقط، ثم المادة والأسئلة لا تعكس حقيقتي، فالغش فيها ضرورة، وأخيرا لديّ قدرات حقيقية لكن قلقي يخنقني وقت الامتحان، والغش فقط يعدل نتيجتي ويزيد درجاتي.

هذه التبريرات تحمي التلميذ من انهيار مفهومه الذاتي، لكنها تسمح للسلوك بالاستمرار، بل والتطور، ومع تكرار التجربة، يتحول الغش إلى عادة، ثم إلى نمط، ثم إلى جزء من الهوية الدراسية، ويتحول من الغش الفردي إلى ثقافة الغش الجماعية، فعندما يتكرر الغش في محيط التلميذ ويمارس أمامه باستمرار دون عقوبات رادعة، تتحول الظاهرة من سلوك فردي إلى معيار اجتماعي داخل المدرسة وخارجها، في هذه المرحلة، يصبح الطالب الذي لا يغش شاذا، وقد يتحول الغش إلى نشاط تعاوني، بل إلى تضامن جماعي ضد نظام الامتحانات.

وهنا تقع أخطر التحولات النفسية، ويصبح الغش عديم التكلفة تماما، ويدخل التلميذ في دائرة إدمان النجاح الزائف، حيث يعتاد الحصول على نتائج دون جهد، ويصبح عاجزا نفسيا عن تحمل فكرة الامتحان دون مساعدة خارجية ووسيلة غش، وتصبح متلازمة خطيرة تنتج جيلا يجد صعوبة في تحمل المسؤولية أو مواجهة التحديات بشجاعة.

وفي مجتمعات المحسوبية والولاء يصبح الغش ميزة وليس عيبا، حيث تبنى فيها المؤسسات على المحسوبية والواسطة، وتُمنح الوظائف بالعلاقات لا بالكفاءات، يتحول الغش في الامتحان من سلوك مرفوض إلى خيار عقلاني، بل ميزة تنافسية، فإذا كان التعليم هدفه الوظيفة، والوظيفة لا تشترط الكفاءة، بل تشترط «مين تعرف» قبل «ماذا تعرف»، فلماذا لا يغش الطالب؟ هو ببساطة يمارس المنطق نفسه الذي سيواجهه في سوق العمل وهو منطق الحصول على النتيجة دون استحقاق.

فالشهادة العلمية في هذه البيئة تتحول إلى وثيقة كرتونية لا تعكس قدرات حقيقية، وتنتج نخبا وهمية تمتلك أوراقا وشهادات، لكنها لا تملك أدوات الإنتاج الحقيقي، والمجتمع كله يدفع ثمن هذا التزوير، حين يفاجأ بأن حملة الشهادات العليا لا يستطيعون حل مشكلات مؤسسات الدولة في الحياة العملية.

إن أصدق امتحان هو تقييم الإنجاز، لأن الامتحانات التقليدية وما ينتج عنها من شهادات هي من أكثر الطرق كذبا في تقييم قدرات الطلبة، فهي تقيس قدرة الطالب على الحفظ والاسترجاع في لحظة زمنية محددة تحت ضغط نفسي كبير، ولا تقيس شيئا من إبداعه أو قدرته على حل المشكلات، أو العمل الجماعي أو تحمل المسؤولية، وأصدق تقييم لقدرات الطالب هو تقييم إنجازاته الفردية والجماعية على مدار العام الدراسي.

من خلال مشاريع حقيقية، منتجات ملموسة، أعمال تطبيقية، مساهمات في حل مشكلات المدرسة أو المجتمع.

حين نعتمد على هذه المعايير، ننتقل من ثقافة الحفظ للامتحان إلى ثقافة التدريب على الإنجاز.

وحينها تتحول المدارس إلى ورشات إنتاج حقيقية، التدريب على اللغات، ينتج شعرا ونثرا وترجمة وروايات، والتدريب على العلوم ينتج رشدا وفكرا نقديا، والتدريب على البرمجة ينتج تطبيقات مفيدة، والتدريب على الهندسة ينتج حلولا وابتكارات، عندها فقط يصبح التعليم تدريبا على الحياة، لا تعطيلا للمواهب في قاعات امتحانات عقيمة.

واذا كانت المقاربة الأمنية تحارب نتائج الغش، فالمقاربة التربوية النفسية تحارب دوافعه، تجارب عالمية كثيرة أثبتت أن البرامج التي تعيد تعريف النجاح، وتدرب الطلبة على إدارة قلق الامتحانات، وتقدم بدائل تقييمية عادلة، تقلل معدلات الغش بنسبة كبيرة، دون أي إجراءات رادعة، فبعض النظم التعليمية المتقدمة، عندما يُكتشف طالب يغش، يُطلب منه بدلا من العقاب التأديبي تصميم طريقة غش جديدة كمشروع إبداعي، أو كتابة تحليل نفسي لدوافع غشه، هذه المقاربة تحول الطاقة الإبداعية التي كانت في التحايل، إلى طاقة تأملية وبحثية، وتعطي الطالب فرصة لفهم نفسه بدلا من معاقبتها.

إن الغش في الامتحان ليس أزمة ضمير فقط، بل أزمة ثقة الطالب في علاقة الجهد بالنتيجة، التلميذ الذي يغش يقول بصمته: لا أثق أن هذا النظام التربوي سينصف اجتهادي، ولن يكافئني كما أستحق، لذلك سأحمي نفسي بطريقتي.

الامتحانات الثانوية والمتوسطة ليست امتحانا للتلميذ فقط، بل هي مرآة تعكس مستوى الثقة بين المواطن ومؤسساته، فحين يقتنع الشباب بأن العمل والاجتهاد يكافآن بعدالة، يتراجع الغش تلقائيا، أما حين تتسع الفجوة بين الجهد والفرصة، فإن الغش يصبح خيارا عقلانيا في مجتمع فقد ثقته بقيمة الاستحقاق.

ومعالجة الغش لا تتم بالكاميرات وأجهزة التشويش فقط، بل باستعادة ثقة الطالب بأن جهده يرى، وتعبه يحسب، وفشله ليس نهاية الطريق، عندها فقط يختفي الغش تلقائيا، ليس لأنه مستحيل، بل لأنه أصبح غير ضروري، وإذا كان نجاح الامتحان يقاس بنسبة الناجحين فيه، فإن نجاح الأمم يقاس بنسبة المؤمنين بأن النجاح الحقيقي لا يُشترى ولا يُسرق، بل يُبنى بالصبر والعلم والعمل والنزاهة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك