يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه أمام معادلة سياسية واقتصادية أكثر تعقيداً مما كان يأمل، مع تراجع أسعار النفط الخام بعد انحسار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران واستئناف حركة الملاحة تدريجياً عبر مضيق هرمز، في وقت لم ينعكس فيه هذا التراجع بالسرعة والحجم نفسيهما على أسعار الوقود داخل السوق الأميركية، ما يحوّل ملف الطاقة إلى أحد أبرز مصادر الضغط على البيت الأبيض قبل الانتخابات النصفية.
فقد هبط سعر برميل النفط من مستويات تجاوزت 100 دولار خلال ذروة التصعيد العسكري الأميركي الإسرائيلي ضد إيران وإغلاق مضيق هرمز، إلى نحو 75 دولاراً حالياً، أي بانخفاض يراوح بين 25% و30% مقارنة بذروة الأزمة.
ورغم هذا التراجع الكبير في الخام، فإن أسعار البنزين لم تنخفض إلا بنحو 14% فقط منذ أواخر مايو/ أيار، بحسب بيانات جمعية السيارات الأميركية (AAA)، بما يكشف فجوة واضحة بين سوق النفط الخام وسوق الوقود النهائي، ويعيد فتح النقاش حول سرعة انتقال أثر الأسعار العالمية إلى المستهلك الأميركي.
وفي هذا السياق، تحرك ترامب سياسياً بشكل مباشر يوم الثلاثاء، عندما أعلن أنه وجّه وزارة العدل إلى فتح تحقيق في أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة، معتبراً أن شركات النفط الكبرى لا تمرر الانخفاض في أسعار الخام إلى المستهلكين بالسرعة الكافية.
وكتب عبر منصة" تروث سوشيال" أن الشركات" لا تخفض أسعار الوقود عند المضخات بما يتناسب مع الانخفاض الحاد في أسعار النفط"، في إشارة إلى ما يعتبره فجوة غير مبررة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع النهائي، ومشدداً على ضرورة تسريع الانخفاض.
ويكتسب هذا التحرك بعداً سياسياً حساساً، إذ تظهر البيانات أن متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة لا يزال يدور بين 3.
9 و4 دولارات للغالون، مقارنة بذروة تجاوزت 4.
6 دولارات في معدل وطني خلال قمة التوترات التي لامس فيها 5.
6 دولارات في بعض الولايات، ما يعني تراجعاً يقارب 12% إلى 15% فقط، رغم أن أسعار النفط الخام فقدت نحو ربع قيمتها خلال الفترة نفسها.
كذلك تبقى الأسعار الحالية أعلى من متوسطها الموسمي لخمس سنوات بنسبة تراوح بين 8% و10%، وهو ما يبقي الضغط قائماً على المستهلكين، ويحدّ من أي مكاسب سياسية سريعة للبيت الأبيض.
أما سوق الديزل، الذي يمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الأميركي لأنه يرتبط بالنقل والشحن والصناعة وإنتاج الكهرباء، فقد شهد تطوراً لافتاً يوم الأربعاء.
فبحسب بلومبيرغ، انخفض متوسط سعره في الولايات المتحدة إلى 4.
98 دولارات للغالون، أي دون مستوى 5 دولارات للمرة الأولى منذ منتصف مارس/ آذار، بحسب بيانات جمعية السيارات الأميركية، علماً أنه لامس 7 دولارات في بعض الولايات إبّان الأزمة.
ويقارن هذا المستوى بذروة بلغت 5.
69 دولارات في إبريل/ نيسان، ما يعني تراجعاً بنحو 12% إلى 13%، لكنه لا يزال أعلى بنحو 32% مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، حين كان عند 3.
76 دولارات للغالون، وهو فارق كبير يعكس استمرار الضغوط الهيكلية في السوق.
وتعود هذه الفجوة بين أسعار الخام والمشتقات إلى عدة عوامل، أبرزها تراجع المخزونات الأميركية.
فبيانات السوق تشير إلى أن مخزونات البنزين لا تزال عند أدنى مستوياتها الموسمية منذ عام 2014، فيما تبقى مخزونات الديزل عند مستويات متدنية هي الأدنى منذ عقود، ما يحدّ من قدرة السوق على تمرير انخفاض أسعار النفط بسرعة إلى المستهلك النهائي.
كذلك إن تكاليف التكرير والنقل والتوزيع ارتفعت نسبياً خلال الفترة الماضية، ما أضاف طبقة إضافية من الضغط على الأسعار النهائية.
وتزداد حساسية المشهد مع استمرار التوترات الجيوسياسية، إذ لا تزال الأسواق مهددة بأي اضطراب جديد في الإمدادات، سواء من الشرق الأوسط أو من روسيا، التي تُعَدّ أحد أكبر موردي الديزل عالمياً.
وأي قيود إضافية على الصادرات قد تعيد الضغط التصاعدي على الأسعار بسرعة، ما يضع خطط البيت الأبيض لكبح التضخم في دائرة الخطر مجدداً.
وتكتسب هذه التطورات أهمية سياسية مضاعفة مع اقتراب الانتخابات النصفية في نوفمبر/ تشرين الثاني القادم، حيث تُظهر استطلاعات الرأي أن أكثر من 60% من الأميركيين يعتبرون أسعار الوقود مؤشراً مباشراً على أداء الحكومة الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تتحول أسعار البنزين والديزل إلى عنصر حاسم في تشكيل المزاج الانتخابي، أكثر من المؤشرات الاقتصادية الكلية الأخرى.
وبينما يراهن ترامب على أن هبوط النفط إلى مستوى 75 دولاراً للبرميل سيقود تدريجياً إلى انخفاض أكبر في أسعار المحروقات في محطات التوزيع، تُظهر الأرقام أن الفجوة لا تزال قائمة بوضوح انطلاقاً من انخفاض الخام بنحو 25% إلى 30% مقابل انخفاض البنزين بنحو 14% فقط، وتراجع الديزل بنحو 12% رغم هبوطه من مستويات قياسية.
وبالإجمال، يجد ترامب نفسه أمام اختبار سياسي حساس تتداخل فيه الأسواق مع صناديق الاقتراع، إذ لم يتحول انخفاض النفط إلى مكسب انتخابي ملموس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك