لم يعد غريبًا أبدًا في صالوناتنا الاجتماعية والأكاديمية أن تسمع تلك العبارة التي تختصر مأساة رجل دفع من وقته وماله وجهده الكثير، ثم وجد نفسه يقول بمرارة: " بعد ما قريتها ماجستير ودكتوراه.
طلبت الطلاق! " أو" بعد ما دفعت دم قلبي عليها وخليتها دكتورة، خلعتني يا أبو زيد! ".
وحين تُقال هذه العبارة، ترتفع الحواجب، وتُفتح الأفواه، وكأن الناس أمام لغز يستعصي على الفهم: وبما أن الرجل تفكيره منطقي" في الغالب" فسيطرح تساؤل: كيف لرجل أن يسند زوجته حتى أعلى المراتب العلمية، ثم يكتشف بعد ذلك أن أول ما استقرت قدماها على تلك القمة كان قرارها الانفصال؟ هذه ظاهرة تستحق التوقف عندها، لأنها تكشف حجم السذاجة التي يقع فيها كثير من الرجال حين يظنون أن الدعم يصنع الوفاء.
والحقيقة المرة هنا واضحة: المشكلة ليست في الدرجة العلمية بحد ذاتها، بل في ما تكشفه أحيانًا من تحولات داخلية أشد خطورة من الورق والألقاب.
فبعض النساء لا ترى في الترقي العلمي مجرد إنجاز، بل تراه صعودًا في السلم يحرّك داخلها نزعة المقارنة والاختيار، فتبدأ تنظر إلى زوجها لا باعتباره سندًا، بل باعتباره درجة قديمة تجاوزتها.
وهنا يبدأ الخلل الحقيقي: لا يعود الزوج شريكًا في نظرها، بل يصبح أقل حضورًا، أقل هيبة، أقل قيمة، وأكثر قربًا من صورة الماضي التي تريد الفرار منها.
ولا ينبغي أن نستغرب هذا؛ فالإنسان ليس كائنًا منزوع الغرائز، بل مخلوق تحكمه دوافع متشابكة، بعضها ظاهر وبعضها مستتر.
لكن وجود الغريزة لا يعني الخضوع لها، كما أن القدرة على مقاومتها لا تعني عدم وجودها أصلًا.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة" غريزة الارتباط الفوقي" (Hypergamy) فالمرأة، بفطرتها، تبحث عن الرجل الذي يغلق الفلاتر الغريزية الثلاثة التي تحكم الانجذاب لديها: القوة، والمال، والنفوذ.
وهذه ليست مجرد رغبات عابرة، بل معايير ترفع من قيمة الرجل في عين المرأة وتجعله يمثل لها" السقف" الذي تبحث عنه.
ولذلك فإن الرجل الذي يرفع زوجته فوقه علمًا أو دخلًا أو مكانة، ثم يتفاجأ بتغير نظرتها إليه، كمن يهدم أساس البيت بيده ثم يستغرب سقوط السقف! فبمجرد أن تشعر المرأة أنها تجاوزت زوجها في أحد معايير القيمة التي تعتد بها، تبدأ المقارنات بالعمل في صمت، ويتحول الإعجاب إلى اعتياد، والامتنان إلى استحقاق، والهيبة إلى ندية.
وهنا تبدأ العلاقة بفقدان أهم عناصر استقرارها؛ لأن المرأة لا تنجذب لمن تراه مساويًا لها، فضلًا عمن تراه أدنى منها.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم ما يحدث بعد الترقّي الأكاديمي في بعض الحالات.
فحين تدفع زوجتك إلى أعلى الدرجات العلمية على حساب وقتك وجهدك ومالك، ثم تجد نفسك بعد ذلك قد أصبحت أقل منها في المكانة أو النفوذ أو الجاه، فأنت هنا لا تكون قد بنيت علاقة مستقرة بالضرورة، بل أطلقت ما يمكن وصفه بانتحار استراتيجي، لأن ميزان الجاذبية داخل العلاقة قد يتبدل، ويحل مكان التقدير شعور آخر مختلف تمامًا: وهو شعور الاستحقاق، أي أنها باتت ترى أنها تستحق من هو أعلى، وأنك لم تعد تمثل لها ذلك السقف الذي كانت تراه من قبل.
عندها تبدأ المقارنة، وتبدأ الحسرة، ويبدأ ضرب الأمثلة.
وهنا لا نتحدث عن الاستثناءات؛ فهناك نساء كثيرات تضبطهن الأخلاق والدين والوفاء، ويعلو عندهن قدر الزوج رغم أي تفوق علمي أو اجتماعي.
وهناك أيضًا نساء يملكن قدرة واضحة على كبح هذا الميل، كما أن هناك رجالًا يسيطرون على غرائزهم في أضعف اللحظات.
لكن الاستثناء لا يهدم القاعدة، والتهذيب لا يلغي الأصل، والسيطرة على الدافع لا تعني اختفاءه.
ومشكلة كثير من الرجال أنهم يظنون أن الاستثناءات هي الأصل، ثم يصابون بالصدمة حين تظهر الحقيقة في أكثر لحظاتها قسوة.
اما من الناحية الشرعية، فالأصل أوضح من أن يموَّه.
قال الله تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى}.
ولست هنا بصدد تكرار الفروق البيولوجية والنفسية، فهي كثيرة ومعروفة والتي تبلغ قرابة 6500، لكني أنتقل مباشرة إلى لب المسألة: وهي القوامة والنفقة فقد قرر القرآن الكريم هذا الأصل بوضوح حين قال: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}.
فالقوامة ليست شعارًا عاطفيًا، بل نظامًا يربط القيادة بالمسؤولية، والإنفاق بالولاية، والقدرة بالتكليف.
وعندما يختل هذا التوازن، وتصبح المرأة أعلى علمًا أو دخلًا أو جاهًا، فإنها كثيرًا ما تبدأ في إعادة تعريف العلاقة من الداخل، فتتسلل الندية إلى البيت، والندية في الزواج ليست تطورًا صحيًا كما يظن بعض السذج، بل بداية تآكل القيادة وانهيار الهيبة.
والبيت الذي تضيع فيه القيادة لا يستقر طويلًا، مهما تجملت عباراته ومهما تزينت صوره.
ولهذا كان من الحكمة أن يحسن الرجل اختيار من لا يضع نفسه معها في موضع المماثلة المربكة، كما نُقل عن الإمام الغزالي في التحذير من نكاح من تعلوه علمًا أو مالًا أو جاهاً؛ لأن النفس البشرية لا تنقاد بسهولة لمن تراه أدنى منها في المكانة أو الكفاءة.
ومن هنا، فإن من يظن أن استثماره في تعليم زوجته سيزيد بالضرورة من ولائها أو خضوعها، فهو لا يفهم طبيعة النفس، ولا يعرف كيف تعمل المقارنات داخل الوعي، ولا يدرك أن من يرفع الآخر إلى القمة قد يجد نفسه أول من يُدفع خارج الصورة.
وختاما لا تبنِ قراراتك على ما تتمنى أن يحدث، بل على ما يحدث فعلًا.
فالعاطفة قد تدفع الإنسان أحيانًا إلى خطوات يراها نبيلة في لحظتها، ثم يكتشف متأخرًا أنها كانت أول الطريق إلى الهاوية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك