شكّل ملف الأصول المالية الإيرانية المجمّدة والمقيّدة في الخارج أحد أكثر القضايا تعقيدًا وتشابكًا في مسار العلاقات الإيرانية الأمريكية.
ومع انعقاد جولة المفاوضات الأخيرة في منتجع “بورغنستوك” بسويسرا في يونيو 2026، عاد هذا الملف إلى واجهة العمل الدبلوماسي بوصفه أحد الشروط الأساسية لتثبيت الترتيبات الأمنية والاقتصادية بين الطرفين، متجاوزًا كونه مجرد قضية مالية ليصبح أداةً رئيسيةً في إدارة الصراع الإقليمي.
الجذور التاريخية للأصول المجمّدةفي عام 1979، وبعد أن أطاحت الثورة بنظام الشاه، واقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا 52 رهينة، وقّع الرئيس جيمي كارتر الأمر التنفيذي رقم (12170)، فجمّد أصولًا للحكومة الإيرانية خاضعةً للولاية الأمريكية، قُدِّرت آنذاك بنحو 12 مليار دولار.
وكان ذلك أول استخدام واسع لصلاحيات قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977، وبدايةً لمسار طويل من العقوبات.
وفي عام 1981، أنهى اتفاق الجزائر أزمة الرهائن، فأُفرج عن ما يقارب ثمانية مليارات دولار، ووُجِّه الباقي لسداد ديون إيرانية لبنوك أمريكية وأوروبية.
أما ما تبقّى داخل الولايات المتحدة، فدخل في دعاوى قضائية وأحكام تعويض، وتقلّص مع السنوات إلى نحو ملياري دولار.
واتّسعت دائرة العقوبات في تسعينيات القرن الماضي مع قانون عقوبات إيران لعام 1996، الذي تجاوز استهداف الحكومة إلى الشركات الأجنبية المتعاملة مع طهران.
ثم جاءت انفراجة عام 2015 مع الاتفاق النووي، حين خُفِّفت عقوبات النفط والشحن والمصارف والتأمين، وقدّرت وزارة الخزانة الأمريكية الأصول التي بات بإمكان إيران الوصول إليها بنحو 50 مليار دولار.
وفي تلك الفترة، أعادت إدارة أوباما إلى إيران 400 مليون دولار كانت قد دفعتها قبل الثورة لشراء أسلحة لم تتسلّمها، ليبلغ إجمالي المبلغ مع الفوائد نحو مليار و300 مليون دولار، سُلِّم على دفعات.
لكن الانفراجة لم تدم؛ ففي عام 2018 انسحبت إدارة ترامب من الاتفاق، وأعادت فرض العقوبات، وألغت الإعفاءات الممنوحة لثماني دول لشراء النفط الإيراني، بينها الصين والهند واليابان، فعادت العائدات النفطية لتُحتجز من جديد في حسابات بكوريا الجنوبية واليابان والهند والعراق، وعاد الملف إلى نقطة الصفر.
أين الأموال؟ ولماذا تتحكّم واشنطن بمالٍ خارج حدودها؟المفارقة أن معظم الأموال التي تطالب بها إيران ليست موجودة في الولايات المتحدة أصلًا، بل إن الكتلة الأكبر منها موجودة في الصين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني.
كما تخضع هذه الأصول لقيود مصرفية مشددة بفعل آلية “العقوبات الثانوية” الأمريكية.
وتكمن فعالية هذه الآلية في أنها لا تستهدف إيران وحدها، بل تطال أيضًا أطرافًا ثالثة، مثل البنوك والمؤسسات المالية الدولية، إذ يواجه أي بنك يسمح بتحريك هذه الأموال خطر الحرمان من النظام المالي الأمريكي ومقاصة الدولار.
ونتيجة لذلك، تتوزع هذه الأموال، بصورة تقريبية، على النحو الآتي:الصين: تحتفظ بالكتلة الأكبر، بما يزيد على 20 مليار دولار من عائدات مبيعات النفط.
العراق: يحتجز مبالغ تتراوح بين 6 و12 مليار دولار (وتشير بعض التقديرات إلى 15 مليار دولار)، مقابل إمدادات الغاز الطبيعي والكهرباء الإيرانية، وهي أموال كانت خاضعة لاستثناءات تسمح باستخدامها في التجارة الإنسانية فقط.
الهند: تحتفظ بنحو 7 مليارات دولار.
قطر: تحتفظ بنحو 6 مليارات دولار، نُقلت أصلًا من كوريا الجنوبية عام 2023 بموجب صفقة تبادل سجناء، لتُستخدم، تحت الرقابة، في مشتريات إنسانية، إلا أن واشنطن أعادت تقييدها لاحقًا.
أوروبا: تتراوح الأصول بين 1.
6 و5 مليارات دولار، ويرتبط جزء منها بنزاعات قانونية أمام محاكم لوكسمبورغ.
اليابان: تحتجز ما بين 1.
5 و3 مليارات دولار.
الولايات المتحدة: تحتفظ بنحو ملياري دولار.
كوريا الجنوبية: تحتفظ بنحو مليار دولار.
تفاصيل صفقة الـ12 مليار دولار والإعفاءات النفطية الراهنةفي ختام أسبوع من التفاوض في منتجع بورغنستوك السويسري، أعلن رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، أن بلاده توصّلت إلى اتفاق مع الولايات المتحدة على الإفراج عن 12 مليار دولار من أصولها المجمّدة، تُدفع على دفعتين متساويتين، قيمة كل منهما ستة مليارات دولار.
وعلى الرغم من ضخامته، فإن هذا الرقم لا يمثل سوى جزءٍ صغير من كتلة أكبر بكثير؛ إذ صرّحت إيران بأن لديها أكثر من 100 مليار دولار من الأصول المجمّدة أو المقيّدة في حسابات خارجية.
واستند قاليباف في إعلانه إلى المادة الحادية عشرة من مذكّرة التفاهم المؤلفة من أربع عشرة نقطة، التي تتناول تحديدًا ملف الأصول المجمّدة.
وتنص المادة المذكورة على أن الولايات المتحدة “تتعهّد بإتاحة الأموال والأصول المجمّدة أو المقيّدة التابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية للاستخدام الكامل فور تنفيذ المذكّرة”، وأن الجانبين “سيتفقان بصورة متبادلة على إجراءات الإفراج خلال المفاوضات”.
وبحسب قاليباف، فإن الترتيبات الأولية جرت خلال زيارة سابقة إلى قطر، قبل أن يُحسم التوقيع النهائي في بورغنستوك خلال عطلة نهاية الأسبوع.
ويأتي هذا الإفراج ضمن نافذة تفاوضية مدتها ستون يومًا، تتحدث مسودة المذكّرة عن إتاحة ما مجموعه 24 مليار دولار خلالها.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد ذكر، في تدوينة على منصة إكس (X)، أن طهران ضمنت إعفاءات لصادرات النفط والبتروكيماويات، والإفراج عن جزء من أصولها في الخارج، إلى جانب إطلاق خطة لإعادة الإعمار والتنمية.
وفي موازاة ذلك، علّقت واشنطن العقوبات لمدة ستين يومًا، بما يتيح لإيران بيع النفط ومشتقاته وتحصيل مدفوعاتها خلال هذه الفترة.
ما إن أُعلن الاتفاق حتى اندلع خلاف علني حول وجهة هذه الأموال.
فقد ذكر نائب الرئيس الأمريكي، جاي دي فانس، أن مبعوث البيت الأبيض، جاريد كوشنر، وضع آلية تمنح واشنطن قدرًا من السيطرة على الأموال عند الإفراج عنها، بحيث تُوجَّه حصرًا لشراء الذرة وفول الصويا والقمح الأمريكي.
وأضاف الرئيس دونالد ترامب أن الأموال التي سترفع واشنطن التجميد عنها “ستذهب إلى مزارعينا”.
وردّت طهران بنبرة حادة.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن إيران “لا تواجه أي قيد على كيفية توجيه هذه الأموال”، وإن أصولها “ستُستخدم بحرية مطلقة”، مضيفًا أن الهدف الحقيقي من الحرب كان “إبادة الحضارة الإيرانية”، وقد تحوّل الآن إلى جلب عوائد ضخمة لمزارعين أمريكيين باستخدام الأصول الإيرانية.
وذهب محافظ البنك المركزي، عبد الناصر همّتي، إلى تمييز دقيق، إذ صرّح: “صحيح أن الدفعة الأولى، البالغة 12 مليار دولار، مخصّصة لشراء سلع أساسية وأدوية، لكن ذلك يحرّر أموال إيران الأخرى لتنفقها كما تشاء.
” ونفى وجود أي إلزام في المذكّرات الموقعة بشراء بضائع أمريكية.
أما سفير إيران لدى الأمم المتحدة في جنيف، علي بحريني، فحسم المسألة من زاوية السيادة، قائلًا إن إيران وحدها هي التي تقرر كيفية التصرف بأصولها بعد رفع التجميد، وإن دور واشنطن والدوحة يقتصر على الجوانب الفنية لفك التجميد، لا على وجهة الإنفاق.
الأثر الاقتصادي اللحظي للإفراج عن الأمواليمثل مبلغ الـ100 مليار دولار نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي لإيران، ومن شأن الإفراج عن جزءٍ منه، مثل الـ12 مليار دولار الحالية، أن يمنح البنك المركزي الإيراني متنفسًا لدعم العملة المحلية، والحد من تقلبات سعر الصرف، فضلًا عن تمويل الواردات الأساسية وتحديث البنى التحتية المتضررة.
ومع ذلك، يرى خبراء اقتصاديون، مثل إسفنديار باتمانغليج وفريدريك شنايدر، أن هذه الأموال لن تنهي الأزمة الهيكلية، إذ يظل الوصول إلى 20 أو 30 مليار دولار محدود الأثر مقارنةً بحجم الأضرار المادية التي لحقت بالبنى التحتية الإيرانية جراء الضربات الجوية الأخيرة، والتي تُقدَّر بنحو 300 مليار دولار، وسط توقعات دولية بانكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 10% خلال العام الجاري.
لذلك، تبدو الأموال الإيرانية المجمّدة أو المقيّدة جائزةً كبيرةً في المفاوضات، لكنها ليست حلًا كاملًا.
فالاختبار الحقيقي لا يقتصر على توقيع الاتفاق، بل يمتد إلى قدرة طهران على استخدام هذه الأموال فعليًا، ومدى سرعة الإفراج عنها، وحجم ما سيكون متاحًا منها.
وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك