جاءت استقالة كير ستارمر في 22 يونيو/حزيران 2026، عشية الذكرى العاشرة للاستفتاء الذي أخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لتضيف اسما جديدا إلى قائمة طويلة من رؤساء الوزراء الذين استهلكتهم أزمة اقتصادية مزمنة أكثر مما أسقطتهم الخلافات السياسية.
فمنذ استفتاء 2016 تعاقب ستة رؤساء وزراء على إدارة الاقتصاد البريطاني، لكن أيا منهم لم يتمكن من إعادة الاقتصاد إلى المسار الذي كان يسير عليه قبل بريكست.
وبعد مرور عقد كامل، لم يعد السؤال المطروح ما إذا كان الخروج من الاتحاد الأوروبي قد ألحق ضررا بالاقتصاد البريطاني، بل ما حجم هذا الضرر وكيف انتقل من الأسواق والشركات إلى المالية العامة ومستويات المعيشة.
وتشير الأدلة الاقتصادية المتراكمة اليوم إلى أن أثر بريكست تجسد في تآكل تدريجي ومستمر للاستثمار والتجارة والإنتاجية والناتج، وهو ما جعل الاقتصاد البريطاني أصغر بصورة دائمة مقارنة بالمسار الذي كان يمكن أن يسلكه لو بقي داخل الاتحاد الأوروبي.
يُعد بحث صادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 عن المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية (NBER)، أعده نيكولاس بلوم من جامعة ستانفورد، وفيليب بَن من بنك إنجلترا، وبول ميزن من كلية كينغز لندن، وبافيل شميتانكا من البنك المركزي الألماني، وغريغوري ثويتس من جامعة نوتنغهام، من أكثر الدراسات شمولا حتى الآن حول أثر بريكست.
وخلصت الدراسة إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خفّض الناتج المحلي الإجمالي البريطاني بنهاية 2025 بما يتراوح بين 6% و8%، كما أدى إلى تراجع استثمارات الشركات بين 12% و18%، وخفض الإنتاجية والتوظيف بنحو 3% إلى 4%.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن الباحثين توصلوا إليها عبر منهجين مستقلين.
الأول يقارن أداء بريطانيا مع 33 اقتصادا متقدما واجه الصدمات العالمية نفسها خلال الفترة ذاتها، والثاني يستند إلى بيانات أكثر من 7000 شركة ضمن استطلاع" لوحة صناع القرار" التابعة لبنك إنجلترا.
ورغم أن بعض المؤسسات الرسمية تتبنى تقديرات أكثر تحفظا، فإن الفارق بين مختلف الدراسات لا يتعلق بوجود الخسارة من عدمها، بل بحجمها فقط.
فهيئة مسؤولية الموازنة البريطانية تتوقع تراجعا طويل الأجل في الإنتاجية بنحو 4% وانخفاضا في كثافة التجارة بنسبة 15%، بينما تشير بعض الدراسات الأكاديمية إلى أضرار أكبر.
لكن النتيجة المشتركة بين الجميع هي أن الاقتصاد البريطاني أصبح أصغر بصورة ملموسة مما كان يمكن أن يكون عليه.
وتحمل هذه الأرقام دلالات تتجاوز الجانب الإحصائي.
فاقتصاد تقلص حجمه بنسبة تتراوح بين 4% و8% يعني خسارة عشرات المليارات من الجنيهات من الناتج السنوي، ويعني أيضا قاعدة ضريبية أضعف وقدرة أقل على تمويل الخدمات العامة والاستثمارات الحكومية مستقبلا.
تكمن أهمية هذه النتائج في أنها لا تكتفي بقياس الخسارة، بل تشرح آلية حدوثها.
فبحسب الدراسة، شكل عدم اليقين العامل الأكثر تأثيرا.
إذ دفعت حالة الغموض المستمرة بشأن مستقبل العلاقة التجارية مع أكبر سوق لبريطانيا آلاف الشركات إلى تأجيل قرارات الاستثمار أو إلغائها بالكامل.
كما أدت توقعات الطلب الأضعف إلى الحد من التوظيف والإنفاق الرأسمالي.
وفي الوقت نفسه، تراجعت الإنتاجية داخل الشركات مع انخفاض الإنفاق على التكنولوجيا والابتكار والتوسع، وتحول جزء من الموارد الإدارية إلى التعامل مع الإجراءات التنظيمية الجديدة ومتطلبات الامتثال الجمركي والتجاري التي لم تكن موجودة قبل الخروج من الاتحاد الأوروبي.
كما أدى بريكست إلى زيادة الاحتكاكات التجارية حتى في غياب الرسوم الجمركية المباشرة.
فالإقرارات الجمركية الجديدة وقواعد المنشأ ومتطلبات المطابقة التنظيمية رفعت تكلفة ممارسة الأعمال بالنسبة لعدد كبير من الشركات، وخاصة الصغيرة والمتوسطة منها.
وعلى مستوى الاقتصاد ككل، كانت الشركات الأكثر إنتاجية والأكثر اندماجا في التجارة الدولية هي الأكثر تعرضا للخسائر الناتجة عن الحواجز الجديدة، ما أدى إلى تراجع كفاءة توزيع الموارد عبر الاقتصاد البريطاني بأكمله.
وتؤكد الدراسة أن هذه التكاليف لم تظهر في صورة أزمة واحدة حادة، بل تراكمت عاما بعد عام، وهو ما سهّل التقليل من أهميتها في حينه رغم اتساع أثرها التراكمي.
الاستثمار والتجارة.
القناتان الأكثر تضرراوتظهر بيانات رسمية أن الاستثمار كان الضحية الأكبر لبريكست.
فبعد أن كان يتحرك بالتوازي مع الاقتصادات المتقدمة المشابهة قبل 2016، بدأ الاستثمار البريطاني يفقد زخمه بصورة متواصلة بعد الاستفتاء، حتى اتسعت الفجوة إلى ما بين 12% و18%.
ويعد الاستثمار المتراجع من أخطر التداعيات الاقتصادية لأنه يؤثر في القدرة الإنتاجية المستقبلية للاقتصاد.
فالمصانع الجديدة، وخطوط الإنتاج، والتكنولوجيا، والبحث والتطوير، كلها تعتمد على قرارات استثمارية طويلة الأجل أصبحت أكثر حذرا خلال العقد الماضي.
أما التجارة، فتأثرت بظهور حواجز تنظيمية وجمركية جديدة رفعت تكلفة انتقال السلع والخدمات بين بريطانيا والقارة الأوروبية.
وتفترض هيئة مسؤولية الموازنة البريطانية أن كثافة التجارة تراجعت بنحو 15% نتيجة هذه الاحتكاكات الجديدة.
وتنعكس هذه التطورات مباشرة على مستويات المعيشة.
فاقتصاد أصغر يعني نموا أبطأ في الأجور الحقيقية، واستثمارات أقل، وإيرادات حكومية أضعف، وضغوطا أكبر على الخدمات العامة.
وتشير تقديرات مركز أبحاث السياسات الاقتصادية ومؤسسة" بريطانيا في أوروبا متغيرة" إلى أن العقد الماضي اتسم بضعف نمو الأجور والإنتاجية، وهي ظواهر يصعب فصلها عن أثر بريكست.
مدينة لندن.
خسارة وإعادة تموضعوتبدو آثار بريكست أكثر تعقيدا في قطاع الخدمات المالية، أكبر قطاع تصديري في الاقتصاد البريطاني.
فقد وثقت مؤسسة" نيو فاينانشال" انتقال أكثر من 440 شركة مالية إلى دول الاتحاد الأوروبي بعد الاستفتاء، مع نقل ما يزيد على 900 مليار جنيه إسترليني" نحو 1.
2 تريليون دولار" من الأصول المصرفية وأكثر من 100 مليار جنيه" نحو 132 مليار دولار" من أصول التأمين وإدارة الأصول إلى مراكز مثل دبلن وباريس ولوكسمبورغ وفرانكفورت وأمستردام.
وتقدر شركة" إرنست آند يونغ" حجم الأصول المنقولة بنحو تريليون جنيه إسترليني" نحو 1.
32 تريليون دولار"، بينما تشير تقديرات مؤسسة مدينة لندن إلى انتقال نحو 40 ألف وظيفة مالية إلى القارة الأوروبية.
لكن الصورة ليست أحادية الجانب، فمدينة لندن احتفظت بمكانتها كمركز مالي عالمي بفضل عمق أسواقها المالية، ومرونة نظامها القانوني، وشبكة الخدمات المهنية التي تتمتع بها.
وبحسب رويترز، ارتفع عدد العاملين في المدينة بنحو 25% منذ عام 2019 ليصل إلى 676 ألف موظف.
كما وسعت مؤسسات مالية عالمية كبرى عملياتها في بريطانيا، واستمرت لندن في جذب استثمارات دولية ضخمة، فيما أصبحت شركات التكنولوجيا المالية أحد محركات النمو الجديدة داخل القطاع.
وتشير هذه المعطيات إلى أن بريكست لم يؤد إلى انهيار مدينة لندن كما كان يخشى البعض، لكنه فرض إعادة توزيع دائمة لجزء من الأنشطة المرتبطة بالسوق الأوروبية، وهو ما قلص بعض المزايا التي كانت تتمتع بها بريطانيا قبل الخروج.
ويظهر الأثر الأكثر مباشرة في المالية العامة.
فبحسب حسابات أعدتها مكتبة مجلس العموم البريطاني لصالح الديمقراطيين الأحرار، فإن تطبيق نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي البالغة 34.
7% على فجوة الناتج المقدرة يشير إلى خسارة إيرادات ضريبية تتراوح بين 65 و90 مليار جنيه إسترليني سنويا" نحو 85.
5 و 118.
4 مليار دولار".
ويعادل هذا المبلغ، وفق الحسابات نفسها، نحو 250 مليون جنيه يوميا" نحو 330 مليون دولار" من الإيرادات المفقودة مقارنة بالمسار الاقتصادي الذي كان يمكن أن يتحقق في غياب بريكست.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على الإنفاق العام، سواء في قطاع الصحة أو البنية التحتية أو الدفاع أو دعم الأسر.
فكل تراجع في الناتج المحلي ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة على جمع الضرائب وتمويل التزاماتها.
كما يصف معهد الحكومة البريطاني العقد الماضي بأنه تضمن" أكثر من تريليون جنيه إسترليني من الفرص الضائعة"، في إشارة إلى الفجوة المتراكمة بين الأداء الفعلي والأداء المحتمل للاقتصاد.
ماذا يقول المدافعون عن بريكست؟لا يزال بعض الاقتصاديين يرفضون هذا التقييم.
ويعد باتريك مينفورد، أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة كارديف وأحد أبرز مؤيدي بريكست، من أبرز الأصوات التي ترى أن المكاسب لم تظهر بعد.
ويجادل مينفورد، بالاستناد إلى أبحاث نشرها مع يونغدنغ تشو عام 2024، بأن التحرر من القيود التنظيمية الأوروبية والانفتاح التجاري الأحادي يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي البريطاني على المدى الطويل بنسبة تصل إلى 6.
8%.
ويرى مؤيدو هذا الطرح أن المكاسب المحتملة لبريكست تحتاج إلى فترة زمنية أطول حتى تظهر بصورة كاملة، وأن بريطانيا لا تزال في مرحلة إعادة تشكيل علاقاتها التجارية والتنظيمية مع العالم.
غير أن هذا الرأي يبقى أقلية داخل الأوساط الأكاديمية.
إذ يرى مركز الأداء الاقتصادي في كلية لندن للاقتصاد أن هذه النماذج تبالغ في تقدير مكاسب التحرير التجاري وتقلل من أهمية الخسائر المرتبطة بتراجع تجارة الخدمات وفقدان الامتيازات التنظيمية التي كانت تتمتع بها المؤسسات المالية البريطانية داخل السوق الأوروبية الموحدة.
وبعد عشر سنوات على الاستفتاء، تبدو الصورة الاقتصادية أوضح من أي وقت مضى.
فالأزمة المالية العالمية، وسياسات التقشف، وجائحة كورونا، وصدمة الطاقة في 2022، كلها أسهمت في إضعاف الاقتصاد البريطاني.
لكن الأدلة التي جمعتها الدراسات الأكاديمية والمؤسسات الرسمية تشير إلى أن بريكست أضاف عبئا مستقلا ومستمرا فوق تلك الصدمات.
وبين تقدير هيئة مسؤولية الموازنة البالغ 4% من الناتج المحلي الإجمالي وتقدير المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية الذي يصل إلى 8%، تتشكل صورة اقتصاد فقد جزءا من حجمه بصورة دائمة.
وفي اقتصاد ينمو ببطء، تصبح الموارد العامة أكثر ندرة، وعمليات تحسين مستويات المعيشة تزداد صعوبة، وتتقلص الخيارات المتاحة أمام الحكومات المتعاقبة.
وعلى امتداد العقد الماضي، تحولت هذه القيود الاقتصادية تدريجيا إلى عامل ثابت في المشهد السياسي البريطاني، مع استمرار تعاقب رؤساء الوزراء على إدارة اقتصاد لم يعد يشبه ذلك الذي سبق استفتاء 2016، وهو ما يفسر لماذا بقيت تداعيات بريكست حاضرة في قلب النقاش الاقتصادي البريطاني حتى بعد مرور عشر سنوات على اتخاذ القرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك