الفن لم يكن يومًا مجرد وسيلة للترفيه فى مصر، بل ظل أحد أهم أدوات تشكيل الوعى وصناعة الهوية الوطنية وحفظ الذاكرة الجمعية للمصريين.
ومن هنا جاءت حساسية العلاقة بين جماعة الإخوان والفن، إذ تحول هذا الملف على مدار عقود إلى واحدة من أكثر نقاط الاشتباك إثارة للجدل بين الإخوان الإرهابية وقطاعات واسعة من المثقفين والمبدعين.
فبينما كانت الجماعة تحاول تقديم نفسها باعتبارها لا تعادى الفن من حيث المبدأ، ظلت مواقف وتصريحات عديدة صادرة عن قيادات ورموز محسوبة عليها تثير مخاوف متكررة من فرض رؤية أيديولوجية على المجال الثقافى، أو إخضاع الإبداع لمعايير سياسية ودينية ضيقة.
ومع صعود الإخوان إلى المشهد السياسى بعد عام 2011، انتقلت هذه المخاوف من دائرة التنظير إلى ساحة الواقع، لتبدأ واحدة من أكثر المعارك سخونة بين مشروع سياسى ذى مرجعية أيديولوجية وبين قوة ناعمة اعتادت أن تدافع عن حرية التعبير والإبداع.
الفن من منظور الإخوان.
قبول مشروط وحدود مثيرة للجدلفى أدبيات الإخوان وخطابهم العلنى، لم يكن الرفض موجها إلى الفن باعتباره نشاطًا إنسانيًا أو وسيلة للتعبير، وإنما إلى ما تعتبره الجماعة خروجًا على القيم الدينية والأخلاقية.
ولهذا حرصت قياداتها فى أكثر من مناسبة على التأكيد أنها لا تستهدف إلغاء السينما أو المسرح أو الموسيقى.
لكن هذه الرسائل لم تنجح فى إنهاء الجدل، إذ رأى كثير من المثقفين أن المشكلة لم تكن فى وجود الفن من عدمه، وإنما فى الجهة التى تملك حق تحديد المقبول والمرفوض، وحدود التدخل فى المحتوى الإبداعى، وما إذا كانت هذه الحدود ستُفرض من خلال القوانين أم عبر ضغوط سياسية ومجتمعية.
البرلمان يفتح أبواب المواجهةمع وصول حزب الحرية والعدالة إلى البرلمان، بدأت المخاوف تتصاعد داخل الوسط الفنى والثقافى.
فوجود أغلبية ذات توجه إسلامى أثار تساؤلات حول مستقبل الفنون وحرية التعبير، خاصة فى ظل تصاعد أصوات تطالب بإعادة النظر فى بعض أشكال الإنتاج الفنى أو إخضاعها لمعايير أكثر تشددًا.
وفى تلك الفترة، تحولت قضايا السينما والمسرح والدراما إلى ملفات مطروحة على طاولة النقاش العام، وسط حالة من الترقب بشأن شكل العلاقة التى ستجمع السلطة الجديدة بالمجال الثقافى.
كانت السينما المصرية من أكثر القطاعات التى أبدت قلقها من صعود التيار الإسلامى إلى السلطة.
فصناعة اعتادت على تناول قضايا اجتماعية وسياسية شائكة رأت أن أى محاولات لفرض قيود فكرية أو أخلاقية قد تمثل تهديدًا مباشرًا لمساحة الحرية التى تحتاجها العملية الإبداعية.
وتزايدت المخاوف مع انتشار تصريحات ومواقف اعتبرها فنانون ومخرجون مؤشرات على رغبة بعض التيارات الإسلامية فى إعادة تشكيل المشهد الفنى وفق رؤية أيديولوجية محددة.
ومع الوقت، أصبح الحديث عن حرية السينما جزءًا من النقاش السياسى اليومى، لا مجرد قضية تخص الفنانين وحدهم.
الموسيقى والمسرح بين الشكوك والتحفظاتلم يقتصر الجدل على السينما فقط، بل امتد إلى الموسيقى والمسرح وسائر أشكال التعبير الفنى.
فقد ظلت هناك تساؤلات مستمرة حول رؤية الجماعة لهذه الفنون، وما إذا كانت تنظر إليها باعتبارها أدوات ثقافية مهمة أم باعتبارها أنشطة يجب تقييدها وإعادة صياغتها وفق معايير خاصة.
وأمام هذه التساؤلات، تمسك الفنانون والمثقفون بموقف واضح يؤكد أن الإبداع لا يمكن أن يزدهر فى أجواء الخوف أو الوصاية، وأن الفن بطبيعته قائم على التنوع والاختلاف وطرح الأسئلة، لا على الالتزام بقالب فكرى واحد.
المثقفون يرفعون راية المواجهةفى مواجهة هذه المخاوف، خرج عدد كبير من الفنانين والكتاب والمخرجين للدفاع عن حرية الإبداع باعتبارها أحد أهم مكتسبات المجتمع الحديث.
وأكدوا أن الفن لا يمكن اختزاله فى رؤية سياسية أو دينية بعينها، وأن الدولة المدنية الحديثة تضمن حق الجميع فى التعبير دون وصاية أو إقصاء.
وشهدت تلك المرحلة عشرات الندوات والبيانات والتصريحات التى حذرت من أى محاولات لتقييد المجال الثقافى، معتبرة أن المساس بحرية الإبداع لا يهدد الفنانين وحدهم، بل يهدد المجتمع بأكمله.
القوة الناعمة فى مواجهة الأيديولوجياكشفت تجربة تلك السنوات عن صدام أعمق من مجرد خلاف حول فيلم أو أغنية أو عرض مسرحى.
فالقضية كانت تتعلق برؤيتين مختلفتين للمجتمع؛ الأولى ترى فى الفن مساحة مفتوحة للنقد والتعبير الحر، والثانية تسعى إلى إخضاع المجال العام لمعايير أيديولوجية تعتبرها أكثر توافقًا مع مشروعها الفكرى.
ولهذا لم تكن المعركة بين الإخوان والفنانين مجرد خلاف عابر، بل مواجهة بين مشروع ثقافى تشكل عبر أكثر من قرن من الإبداع المصرى، وبين مشروع سياسى أراد إعادة صياغة كثير من مفاهيم المجال العام وفق رؤيته الخاصة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك