دافع ترامب عن مذكرة التفاهم المبدئية بين واشنطن وطهران، مؤكدًا أنه حقق هدفه الأساسى لخدمة الأمن القومى الأمريكى المتمثل فى وقف طموحات إيران فى امتلاك أسلحة نووية.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ادعاءات ترامب؛ إذ لم يوقع ترامب مذكرة التفاهم مع إيران لأنه اقتنع فجأة بنوايا طهران الحسنة، أو لأنه اكتشف أهمية العملية الدبلوماسية.
فبعد صراع عسكرى متقلب استمر لأكثر من ثلاثة أشهر بدأ فى 28 فبراير الماضى، يدعى ترامب أنه توصل لاتفاق يعكس انتصارًا عسكريًا كاسحًا.
ويتضمن الاتفاق التزامًا مباشرًا من طهران للسماح لمفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعودة إلى إيران للإشراف على تخفيف نسبة تخصيب مخزون اليورانيوم من 60% إلى ما دون الـ 20%.
لكن فى الواقع، فقد أثرت الحرب بشكل كبير على الاقتصاد العالمى عندما أغلقت إيران مضيق هرمز الذى تمر منه 20% من صادرات الطاقة العالمية.
وتسبب الإغلاق فى هزات اقتصادية أثرت بصورة أو بأخرى على مختلف بقاع العالم، وعانى ملايين الأمريكيين من ارتفاع أسعار وقود السيارات، وما تبع ذلك من ارتفاع نسب التضخم.
فى الوقت ذاته، تصاعد الغضب الشعبى من استمرار الحرب التى لم ترتفع نسبة المؤيدين لاندلاعها عن 30%، وخشِى ترامب من تبعات الغضب الشعبى على فرص الجمهوريين قبل انتخابات الكونجرس فى نوفمبر المقبل.
واعترف ترامب علنًا بأن الاستمرار فى القتال لأشهر سيبقى المضيق مغلقًا، معترفًا أنه اختار إبرام صفقة لوقف انهيار مالى عالمى وشيك.
وهكذا أوقف ترامب الحرب بسبب ما أدركه من تداعياتها على الاقتصاد الأمريكى، والتى حملت إشارات وإنذارات من تبعات استمرارها.
وكانت الحسابات بسيطة؛ فكل أسبوع إضافى من إغلاق مضيق هرمز يدفع أسعار النفط إلى الأعلى، مما غذى موجة تضخم تؤثر بصورة مباشرة على العائلات الأمريكية، سواء فى متاجر البقالة، أو محطات الوقود، أو عند دفع فاتورة الكهرباء والغاز.
وأصبحت سياسة ترامب المتمثلة فى الحرب على إيران سياسة اقتصادية داخلية، وكان الأمريكيون يعرفون من يحملونه المسئولية.
لم تكن الحرب على إيران مجرد نزاع إقليمى محدود ينتهى بانتصار أمريكى سريع بعد أيام قليلة من بدء القتال كما تخيل ترامب، وكما روج له وأكده شركاؤه الإسرائيليون.
ومع إقدام إيران على الإغلاق المطول لمضيق هرمز بما حمله من تداعيات اقتصادية عالمية، وصلت آثار الصدمة الاقتصادية إلى الولايات المتحدة فى أسوأ لحظة ممكنة للرئيس ترامب.
فقبل أسابيع من الاتفاق، كان ترامب يصر علنًا على أن الاعتبارات الاقتصادية لم تلعب دورًا فى تفكيره، وأن الدافع الوحيد للعمل العسكرى هو منع إيران من الحصول على سلاح نووى.
ثم جاء مؤتمر صحفى على هامش قمة مجموعة السبع فى فرنسا، حيث ظهر ترامب مختلفًا؛ قال إنه مصمم على تجنب «كارثة اقتصادية»، وذكر مرتين أنه لا يريد للتاريخ أن يتذكره كما يتذكر الرئيس السابق «هربرت هوفر».
وكان لهذه الإشارة دلالات كبيرة.
وجاء استدعاء الرئيس هوفر، الذى ارتبطت فترة حكمه بين عامى 1929-1933 بالكساد العظيم وانهيار وول ستريت، بمثابة تحذير جاد من داخل خيال ترامب السياسى.
ويشير المؤرخون إلى أن التشابه بينهما ليس صدفة، فقد وصل كلا الرجلين إلى البيت الأبيض بخلفية رجال الأعمال الأثرياء الذين وعدوا بتطبيق انضباط وإصلاح حكومى ضخم.
إلا أن كلا الرئيسين اكتشفا أن الاقتصاد السياسى أكثر قسوة بكثير من أى اتفاق أبرموه خلال عملهم فى القطاع الخاص.
إلى جانب التهديد الاقتصادى داخل أمريكا وخارجها، كان هناك تهديد سياسى ملح بنفس القدر.
فنحن على بعد 4 أشهر من انتخابات الكونجرس حيث يدور السباق حول كل مقاعد مجلس النواب الـ 435 وثلث مقاعد مجلس الشيوخ.
وتقليديًا، تعد انتخابات منتصف فترة حكم الرئيس بمثابة استفتاء على أداء وسياسات الرئيس نفسه، وطالما كان الاقتصاد المتعثر تاريخيًا هو الطريق الأسهل لمعاقبة حزب الرئيس الحاكم.
من هنا لم يكن من المفاجئ تعبير العديد من الصقور الجمهوريين عن قلقهم من تأثير التداعيات الاقتصادية للحرب على إمكانية الحفاظ على أغلبية مقاعد مجلسى الكونجرس.
فى الوقت ذاته، تعنى خسارة الجمهوريين لأغلبية أحد المجلسين أو كليهما عواقب كارثية لترامب، أقلها تجميد أجندته التشريعية، وجعله بطة عرجاء خلال سنتى حكمه الأخيرتين.
من هنا أصبح ترامب أمام خيارين: حرب طويلة تستمر فى إلحاق الضرر بالأسعار وتفتح الباب أمام خسارة الأغلبية الجمهورية فى انتخابات نوفمبر، أو صفقة مع إيران تعيد فتح مضيق هرمز بما يؤدى إلى خفض أسعار الوقود، وتظهره كمن استطاع أن ينقذ الاقتصاد، بغض النظر عن التكلفة الاستراتيجية.
من هنا لم تتضمن مذكرة التفاهم أى إشارات لتفاصيل التعامل مع برنامج إيران النووى إلا إشارة عامة، فى حين تجاهلت الصواريخ الباليستية وشبكة حلفاء طهران الإقليمية، فيما يعكس توازن نتائج الحرب، ويتناقض مع كل ما يدعيه ترامب.
اختار ترامب التوصل لهدنة يتم بمقتضاها فتح مضيق هرمز، ليتدفق معه النفط، وتنخفض أسعار الوقود، وتخف ضغوط التضخم، مما يخلق، على الأرجح، الظروف لخفض أسعار الفائدة وتوفير مناخ اقتصادى أقوى قبل الانتخابات.
ولم يتردد ترامب فى إعلان الانتصار فى كل مناسبة، وفى الوقت ذاته، يتجنب المرشحون الجمهوريون مواجهة الناخبين وهم يحملون عبء حرب مكلفة ومستمرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك