لو قابلت نفسي التي كانت قبل 15 أو 20 عاماً، لا أظن أنها ستندهش من الإنجازات أو مما وصلت إليه.
ستكون دهشتها من شيء آخر، شيء لم تكن تتوقعه؛ من الطمأنينة.
ليس لأن الحياة أصبحت أسهل، ولا لأن الألم اختفى.
بل لأنها كانت تظن أن الطمأنينة تعني غياب الألم، وأن السلام يعني استواء كل شيء.
أما اليوم فأدركت شيئاً مختلفاً؛ الطمأنينة ليست غياب الاضطراب، بل هي شكل من التصالح مع ما يحدث، والقدرة على التعامل معه دون فقدان الاتزان الداخلي.
يتغيّر الأشخاص، وتتغيّر الأحلام، وتتبدل المخاوف.
يدخل أناس إلى حياتنا نظن أن الحياة لا تستقيم دونهم، ثم يخرجون.
تتسع تجاربنا، وما كنا نظنه حقيقة مطلقة نكتشف لاحقاً أنه لم يكن سوى مرحلة من مراحل الفهم.
ومع كل هذا التغيّر، يبقى لدينا شعور خفي بالاستمرارية.
وكأن شيئاً داخلياً يربط بين نسختنا القديمة والجديدة دون انقطاع.
وهنا يبرز السؤال: ما الذي يبقى منا فعلاً عندما يتغيّر كل شيء؟ربما لأن الإنسان لا يتكون من الظروف التي مر بها، ولا من الأشخاص الذين عرفهم.
هذه الأشياء جميعها في تغير دائم.
أما ما يبقى، فهو خيط غير مرئي؛ قد يكون سؤالاً داخلياً لا يغادرنا، أو قيمة نعود إليها في كل مرحلة، أو بحثاً مستمراً عن معنى يجعل الحياة أكثر وضوحاً.
كأننا لا نتغيّر مرة واحدة، بل تُعاد صياغتنا بهدوء، مثل ضوء يتبدل على سطح ماءٍ ساكن، دون أن يفقد الماء هويته.
بالنسبة لي، كان هذا الخيط هو البحث عن السلام.
كنت أظن في مراحل سابقة أن السلام يوجد في الخارج؛ في تحقق الأمنيات، في استقرار الظروف.
لكن السنوات علمتني أن السلام أعمق من ذلك بكثير.
لقد أدركت مع الوقت أن ما يحدث لنا ليس دائماً تحت سيطرتنا، لكن الطريقة التي نستجيب بها هي ما يصنع الفرق الحقيقي.
بين ما يحدث لنا، وبين ما نصبح عليه، توجد مساحة صغيرة لكنها حاسمة.
هناك يتشكل الوعي، وهناك تُبنى شخصياتنا بهدوء، دون ضجيج، كأننا لا نتغير تحت الضوء، بل في عمق صامت لا يراه أحد.
ومن هذا المنظور، لا يعود التغيّر تهديداً لهويتنا، بل جزءاً من تكوينها.
فكل تجربة تمر بنا، سهلة أو قاسية، تعيد تشكيلنا بطريقة أعمق، كجبلٍ يراه العابر من بعيد كتلة واحدة، بينما هو في الحقيقة طبقات من قممٍ وأسئلة.
وربما الأهم؛ أن معرفتنا بالحياة ليست نهائية أبداً.
في كل مرحلة نظن أننا فهمنا الحقيقة، ثم نكتشف لاحقاً أن هناك طبقة أعمق لم نكن نراها.
وكأن الذات ليست صورة ثابتة، بل طبقات تتكشف مع الزمن.
وكلما ظن الإنسان أنه اقترب من الفهم الكامل، اكتشف أن هناك مستوى آخر لم يصل إليه بعد.
لهذا أعتقد أن النضج لا يعني امتلاك جميع الإجابات، بل التواضع أمام الأسئلة.
والحكمة ليست في الوصول إلى يقين كامل، بل في القدرة على مواصلة السير رغم عدم اكتمال الصورة، كمن يمشي في ضبابٍ خفيف، يتعلم أن يثق بخطواته أكثر من وضوح الطريق، مع يقين بالله، وثقة بأن ما نمر به يحمل معنى حتى وإن لم نفهمه في حينه.
فليس لنا يد في كل ما سيحدث لنا، لكن لنا يد في الطريقة التي سنواجهه بها.
قد نفقد أشياء كنا نظن أنها جزء من هويتنا، لكن ما يبقى في النهاية ليس ما مررنا به، بل ما تعلمناه منه، ولا ما حدث لنا، بل الطريقة التي اخترنا أن نستجيب بها له.
وفي النهاية، ربما لا يبقى منا ما نظنه ثابتاً، بل يبقى ذلك الأثر الذي تتركه فينا التجارب حين تهدأ الحياة، وطريقتنا في حمل ما لا يُقال من وجعٍ وفهمٍ وصبر.
ولعلنا لا نبقى نحن كما كنا، بل نبقى نحن كما تعلّمنا أن نكون بعد كل ما مرّ بنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك