لم يكن الطريق إلى مقعد القيادة مفروشًا أمام المرأة بالورود، بل ازدحم على امتداد التاريخ بأشواك الموروثات والأحكام المسبقة، ففي بعض القطاعات المجتمعية الشرقية، يسكن اعتقادًا راسخًا بأن الإدارة امتيازٌ ذكوري، وأن المرأة، مهما بلغت من العلم والخبرة والكفاءة، لا تصلح لقيادة بيئة العمل، وأن تسليمها زمام الإدارة ليس سوى مقدمة للفوضى وتراجع الأداء وانهيار المؤسسات، وبينما تُمنح أخطاء الرجل فرصةً للتصحيح، تتحول هفوة المرأة – إن وقعت – إلى دليل يُستدعى لتأكيد تلك الصورة النمطية، وكأن نجاحها استثناء، وإخفاقها قاعدة، غير أن الوقائع، والتجارب، وأرقام الأداء، وسير القيادات النسائية عبر التاريخ، تروي قصص مختلفة تمامًا، وتكشف أن معيار النجاح في الإدارة لم يكن يومًا جنس القائد، وإنما كفاءته وقدرته على صناعة القرار وإدارة البشر وتحقيق الإنجاز.
ولعل التاريخ، قديمه وحديثه، يقدم عشرات النماذج التي دحضت عمليًا هذا الاعتقاد، وأثبتت أن نجاح الإدارة لا يرتبط بجنس القائد، وإنما بامتلاكه الرؤية والكفاءة والقدرة على اتخاذ القرار.
ففي مصر القديمة، حكمت الملكة **حتشبسوت** واحدة من أكثر الفترات ازدهارًا في تاريخ الدولة الفرعونية، فأطلقت مشروعات عمرانية عملاقة، ونشطت التجارة الخارجية، وأرست دعائم الاستقرار السياسي والاقتصادي، حتى عُدَّ عهدها من أزهى عصور مصر القديمة.
كما جسدت **الملكة كليوباترا السابعة** نموذجًا للقائدة السياسية والدبلوماسية؛ إذ أتقنت عدة لغات، وأدارت شبكة معقدة من التحالفات الدولية، وسعت للحفاظ على استقلال مصر في مواجهة القوى العظمى آنذاك، معتمدة على ذكائها السياسي وقدرتها الفائقة على التفاوض.
قيادات نسائية صنعت التاريخوفي العصر الحديث، صنعت" ماري بارا" تاريخًا جديدًا عندما أصبحت أول امرأة تتولى منصب الرئيس التنفيذي لشركة" جنرال موتورز"، فقادت واحدة من أكبر شركات صناعة السيارات في العالم خلال مراحل اقتصادية وتقنية معقدة، وأشرفت على تحول استراتيجي نحو السيارات الكهربائية والقيادة الذاتية، مع تعزيز ثقافة الشفافية والمساءلة داخل المؤسسة.
وفي المجال السياسي، برزت رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة" جاسيندا أرديرن" بوصفها نموذجًا عالميًا للقيادة الهادئة والحاسمة؛ إذ أدارت أزمات بالغة التعقيد، من بينها الهجوم الإرهابي في كرايستشيرش وجائحة" كوفيد-19"، مستندة إلى سرعة اتخاذ القرار، والتواصل الفعال مع المجتمع، وبناء الثقة بين الدولة والمواطنين.
نماذج مضيئة في التاريخ الإسلاميأما في التاريخ الإسلامي، فقد رسخت **الشفاء بنت عبد الله رضي الله عنها** نموذجًا مبكرًا للمرأة التي تجمع بين العلم والإدارة، إذ عُرفت برجاحة عقلها وأمانتها، حتى أسند إليها الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الإشراف على سوق المدينة، وهو عمل يتطلب الرقابة والتنظيم وحماية حقوق المتعاملين.
كما برزت" أم الدرداء الصغرى رحمها الله" باعتبارها من كبار فقيهات الشام، وكانت تعقد مجالس العلم في المسجد الأموي، وتتلمذ على يديها العلماء والقضاة، بل كان الخلفاء والأمراء يحضرون دروسها ويستشيرونها، في مشهد يعكس المكانة التي بلغتها المرأة بعلمها وكفاءتها في المجتمع الإسلامي.
ورغم اختلاف الأزمنة والبيئات والثقافات التي عاشت فيها هذه الشخصيات، فإنها تشترك جميعًا في سمات قيادية واحدة؛ أبرزها الكفاءة العلمية والعملية، والرؤية الاستراتيجية، والقدرة على إدارة الأزمات، وحسن اتخاذ القرار، والمرونة في التعامل مع المتغيرات، وبناء الثقة داخل مجتمعاتها أو مؤسساتها، والإصرار على تحقيق الإنجاز رغم التحديات والأحكام المسبقة.
وهي سمات تؤكد أن القيادة ليست صفة يحتكرها جنس دون آخر، بل مهارة تصنعها المعرفة والخبرة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية.
الجمهورية الجديدة وتمكين المرأةولم يعد نجاح المرأة في الإدارة حكرًا على صفحات التاريخ أو سير القيادات العالمية، بل أصبح واقعًا ملموسًا تشهده مصر حاليًا في ظل الجمهورية الجديدة، التي تبنت نهجًا واضحًا في تمكين المرأة وتوسيع حضورها في مختلف مواقع صنع القرار، عندما اتجهت الدولة وقيادتها السياسية إلى إتاحة الفرص أمام الكفاءات النسائية لتولي المناصب التنفيذية والقيادية، وتعزيز تمثيلها في الحكومة، والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والجهات المستقلة، والإدارة المحلية، والمؤسسات الإعلامية، إلى جانب زيادة مشاركتها في مجالس إدارات الشركات والقطاعين العام والخاص، وقد أسهم هذا التوجه في الكشف عن طاقات نسائية أثبتت جدارتها في الإدارة، وقدرتها على قيادة المؤسسات، وإدارة الملفات المعقدة، والتعامل مع الأزمات، وتحقيق مؤشرات أداء إيجابية في العديد من القطاعات، ولعلي أذكر رواية عزيز لي عن تحول الصورة الذهنية لبيئة عمله السامة والمنبوذة في أوساطها بسبب مخالفات مهنية ووظيفية وسلوكية لمدير سابق والتي جعلت من موقع العمل حلبة صراع لا جدوى منها وتحديات أخلاقية مثيرة للجدل، إلى صورة أكثر لمعانًا واتزانًا يعرف عنها النزاهة تأثرا بما أرسته المديرة الجديدة من مبادئ ونوايا صادقة وأهداف حالمة رغم ما تتعرض له من وشايات ومكائد من محاسيب المدير السابق، إلا أن روحها غير الانتقامية وإيمانها بمبادئ المشاركة التعاونية ونبذ الأجواء السلبية أضافوا أيضًا لإدارتها تكليل النجاح في وقت قصير، لم يسبق لشخص قبلها اقتناص هذا التحدي الأصعب.
التجربة العملية تؤكد نجاح الكفاءةأبرز ما أفرزته هذه التجربة أن معيار الاختيار بدأ يتحول تدريجيًا من الاعتبارات العميقة التي تستند إلى المحسوبية والوساطة إلى معايير الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز، وهو ما أتاح الفرصة لظهور نماذج نسائية ناجحة تمكنت من تجاوز التحديات التقليدية وكسر الصور النمطية التي طالما شككت في قدرة المرأة على القيادة، ومع اتساع نطاق هذا التمكين، تراجعت كثير من المعوقات التي كانت تحول دون وصول المرأة إلى مواقع المسؤولية، ليؤكد الواقع العملي أن الاستثمار في الكفاءات النسائية ليس مجرد استجابة لمبدأ المساواة، وإنما خيار تنموي وإداري يعزز كفاءة المؤسسات ويرفع من جودة الأداء ويثري عملية صنع القرار بتنوع الخبرات والرؤى.
من ضمن الأبيات الشعرية الإمام محمد بن إدريس الشافعي وأكثرها رواجًا: بِقَدرِ الكدِّ تُكتَسَبُ المَعالي، وَمَن طَلبَ" العُلا" سَهرَ اللَّيالي وَمَن رامَ" العُلا" مِن غَيرِ كَدٍ أضاعَ العُمرَ في طَلَبِ المُحالِ، وهذا ما يتفق مع ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن طلب العلم فريضة على كل مسلم، وقد فهم جمهور العلماء أن المقصود وجوب طلب العلم الذي يحتاجه المسلم في دينه، وأن هذا التكليف يشمل النساء كما يشمل الرجال، وإن كان هذا الحديث قد تكلّم أهل الحديث في إسناده، إلا أن معناه تؤيده نصوص شرعية كثيرة وعمل المسلمين عبر العصور.
المرأة والتعليم في الإسلامكما خصص النبي ﷺ يومًا لتعليم النساء عندما طلبن ذلك، فكان يعظهن ويجيب عن أسئلتهن، وهو دليل على اهتمامه بتعليم المرأة.
القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرة المسلمين لفتوا إلى أن الإسلام شجع المرأة على التعلم والتميز العلمي، ولم يجعل العلم حكرًا على الرجال.
وقد برزت عبر التاريخ الإسلامي عالمات ومحدثات وفقيهات ومعلمات أسهمن في نقل العلوم الشرعية وتعليم الأجيال، مما يدل على أن نجاح المرأة العلمي يتوافق مع مقاصد الإسلام، وأن معيار التفاضل هو العلم والعمل الصالح، لا الجنس أو النوع.
لم يعد السؤال اليوم: هل تستطيع المرأة أن تدير بيئة العمل؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: هل نملك الشجاعة الكافية لنمنح القيادة لمن يستحقها بعيدًا عن الأحكام المسبقة والقوالب النمطية؟ فالتاريخ، والواقع، والتجارب العملية، جميعها تؤكد أن النجاح الإداري لا يُولد مع جنس بعينه، وإنما يُصنع بالعلم، والخبرة، والنزاهة، والقدرة على اتخاذ القرار، وحسن إدارة البشر قبل إدارة المؤسسات.
العدالة تصنع المؤسسات الناجحةإن بيئات العمل التي تُبنى على العدالة وتكافؤ الفرص هي الأقدر على إنتاج القيادات الحقيقية، رجالًا كانوا أو نساءً، لأن المؤسسة التي تختار قادتها وفق الكفاءة لا وفق النوع، تضمن لنفسها مستقبلًا أكثر استقرارًا وإبداعًا واستدامة، أما الإصرار على إقصاء الكفاءات النسائية لمجرد كونها نسائية، فهو في الحقيقة خسارة للمؤسسة قبل أن يكون ظلمًا للمرأة.
ويبقى الوجه الأنثوي في إدارة بيئة العمل ليس منحةً تُمنح، ولا محنةً تُخشى، بل فرصةٌ حقيقية لاختبار الكفاءة حين تُمنح الفرص بعدالة، والنصيحة لكل صاحب قرار: لا تجعل جنس القائد معيارًا للاختيار، بل اجعل ضميرك المهني يقودك إلى حيث توجد الكفاءة، فالمؤسسات لا تنهض بمن يقودها كرجل أو امرأة، وإنما بمن يقودها بعلمٍ وعدلٍ وإخلاص.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك