مع فوز الوشيك لليمينية المحافظة، كيكو فوجيموري في انتخابات بيرو الرئاسية الأخيرة، سيكون عدد النساء اللاتي بلغن منصب الرئاسة في 33 دولة وإقليما بأمريكا اللاتينية، قد وصل إلى 16، وهي نسبة معقولة، إذا ما قارناها بباقي مناطق العالم.
وبصرف النظر عن طرق الوصول إلى هذا المنصب، سواء عبر الاستحقاق الانتخابي أو الخلافة الآلية في حالات الشغور، يبقى الاعتراف بتطور مستوى النضج السياسي والثقة في تقلد المرأة للمناصب القيادية، في أغلب مجتمعات أمريكا اللاتينية، أمرا حتميا لاستيعاب المكانة التي اكتسبتها في عالم كان ولايزال- نسبيا- حكرا على الرجال.
لا يقتصر الأمر في الحقيقة على الوصول إلى منصب الرئاسة في بلدان أمريكا اللاتينية، بل يتعزز هذا السبق بنجاح المرأة في تقلد مناصب عليا على رأس الوزارات، ومنصب نائب الرئيس وقيادة الأحزاب والتحالفات، منذ خمسينيات القرن الماضي، وهو ما سهل، مثلا، للمناضلة التقدمية ليديا غويلير في الفوز بانتخابات بوليفيا الرئاسية عام 1979، بعد انقلاب عسكري جائر، لكنها لم تصمد في منصبها؛ بسبب الإطاحة بها على يد انقلاب عسكري ثان، عام 1980.
وقد كانت المرأة اللاتينية الثانية التي تتقلد منصب الرئاسة.
أما صاحبة أول لقب، فكانت إيزابيلا بيرون في الأرجنتين، وذلك بعد وفاة زوجها، الرئيس الإصلاحي الأسبق خوان بيرون سنة 1974، وكانت وقتها تشغل منصب نائبة الرئيس، فتولت المنصب وفقا لما ينص عليه دستور البلاد، في حالة شغور منصب الرئاسة.
كما أنها دخلت التاريخ كثاني امرأة على مستوى العالم في تولي الرئاسة، بعد فوز سيريفامو باندارانيكي في انتخابات سريلانكا سنة 1960.
لكن تجربة إيزابيلا بيرون تم وأدها أيضا عن طريق انقلاب عسكري في 1976، على يد نظام فيديلا العسكري الذي حكم الأرجنتين بيد من حديد.
وما من شك أنه وبإسدال الستار على قرابة نصف قرن من الدكتاتوريات والانقلابات العسكرية التي عاشتها منطقة أمريكا اللاتينية حتى سقوط ألبرتو فوجيموري في البيرو عام 2000، استهلت المنطقة الألفية الثالثة بحالة من الزخم السياسي عزز حضور المرأة وساهم في الاعتراف بنضالاتها في تلك الفترة الحالكة من التسلط والطغيان.
ولم يكن هذا الحضور في أغلبه، توظيفا لصورة المرأة لتجميل مرحلة الديمقراطيات اللاحقة، بل كان في أغلبه استحقاقا واستجابة لصوت الشارع، الذي تمثل المرأة فيه، نصف السجل الانتخابي، وأحيانا أكثر، مثل حالة البرازيل.
ودليلا على ذلك، تبرز الأمثلة تباعا وفق التدرج الزمني، من تقلد إرثا باسكال ترويو لرئاسة هايتي في 1990، تتبعها رئيسة نيكاراغوا السابقة فيوليتا باريوس التي صمدت في المنصب من 1990إلى 1997، وتليها ميريا موسكوسو في بنما من 1999 إلى 2004، حيث يعتبر البعض أن نجاحها السياسي يعود لكونها زوجة رئيس سابق فاز بالرئاسة لثلاث فترات متفرقة.
أما رئيسة تشيلي السابقة، ميشال باشيلي، فتمثل التعبير الأوضح لانتقام القدر، حيث كان اسم والدها وحده، الجنرال ألبرتو باشيلي، أحد رجال الزعيم اليساري الراحل سلفادور أياندي، محل إدانة مدى الحياة لها ولأفراد عائلتها، من قبل نظام أغستو بينوشيه العسكري المنقلب عام 1973، والذي كان سببا في وفاة والدها تحت التعذيب بعد أشهر قليلة من رفضه الانقلاب.
ولم يكتف النظام العسكري وقتها بذلك، بل اعتقلها هي ووالدتها مدة سنتين، إلى أن حصلتا على اللجوء في أستراليا ثم ألمانيا، حيث أتمت دراسة الطب.
ومع سقوط نظام بينوشيه في 1990، دخلت باشيلي الحياة السياسية من بابها الواسع، وتقلدت أول المناصب العليا كوزيرة للصحة عام 2000، ثم وزيرة للدفاع، لتفوز بأول فترة رئاسية من 2006 إلى 2010، وتعود لفترة ثانية من 2014 إلى 2018، هذا بالإضافة إلى المناصب الدولية اللامعة لدى الأمم المتحدة.
وتعتبر باشيلي من الرؤساء القلائل الذين غادروا مناصبهم بمستوى شعبية يتجاوز 50%.
مع الاعتراف بوجود أسماء لنساء لاتينيات تقلدن منصب الرئاسة لسد فراغ ما أو للعب دور براغماتي بحت في خطة انقلاب ما، تبقى حالات نيل المرأة هذا المنصب، بفضل كفاءتها وثقة الشعوب فيها، هي الغالبة، في منطقة لم تنل بعد شرف التصنيف في قائمة العالم الأولغير أن اسم العائلة، لم يمثل دائما صك نجاح مسبق للسياسيين، مثلما هو الحال المذكور، ولا إرثا ثمينا من السهل الحفاظ عليه، بل إن بعض الخلف عجزوا عن ذلك، كما هو الحال في فنزويلا، حيث تتمتع رئيسة فنزويلا المؤقتة، ديلسي رودريغيز، بتاريخ سياسي حافل، نالت خلاله ثقة نظام الزعيم الراحل شافيز وتدرجت في المناصب العليا بشكل تصاعدي، بفضل مؤهلاتها العلمية وخبرتها السياسية، وفوق كل ذلك اسم عائلتها الذي يحمل رمزية كبيرة لدى الفنزويليين، حيث تعتبر ديلسي وشقيقها خورخي، رئيس البرلمان الحالي الفنزويلي، ابنين للزعيم اليساري الراحل خورخي أنتونيو، الذي كان أحد أبطال موقعة أسر رجل الأعمال الأمريكي ويليام نيهوس في فنزويلا في السبعينيات، وتمت تصفيته على يد عناصر من وكالة الاستخبارات الأمريكية.
لكن ديلسي رودريغيز، بعد اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وتقلدها الرئاسة المؤقتة بدلا منه، بمباركة أمريكية أكثر منها فنزويلية، أصبحت عنوان" الخيانة منخفضة الكلفة"، في نشرات الأنباء، لا سيما عندما أدمن الرئيس الأمريكي ترمب استخدام اسمها في الحديث عن أحلامه بقلب نظام إيران الشتاء الماضي، قائلا بتهكم: " سوف نجد لنا ديلسي أخرى هناك"، في إشارة إلى ملء فراغ مرحلة انتقالية، بين نظام ونقيضه.
في المقابل، وعودة إلى مثال شائع آخر في الحياة السياسية، وهو مثال النساء اللاتي استفدن من أسماء ومناصب أزواجهن كرؤساء لامعين في بلدان المنطقة، يأتي مثال رئيسة الأرجنتين اليسارية السابقة، كريستينا كيرشنر، التي تقلدت الرئاسة لفترتين بالانتخاب، من 2007 إلى 2015، وتركت بصمة غير مسبوقة لشخصية المرأة القوية التي لمع نجمها منذ توليها مهام حزبية في التيار البيروني وفوزها بعضوية في مجلس الشيوخ أكثر من مرة قبل فوز زوجها بالرئاسة في 2003.
غير أن بريق اسمها بلغ مستوى عالميا، لا سيما في العالم العربي، من خلال دعمها اللامشروط للقضية الفلسطينية، في أوج سنوات المد اليساري في نصف القارة الجنوبية.
على الجانب الآخر، يأتي مثال رئيسة البرازيل السابقة ديلما روسيف ورئيسة المكسيك الحالية كلوديا شينباوم، كمثال حي للمرأة القوية، صاحبة المسيرة التصاعدية في العمل السياسي بفضل مؤهلاتها النضالية، والطريف في الأمر أن كلتا الشخصيتين، تنحدر من عائلة بلغارية.
حيث فازت روسيف برئاسة البرازيل، البلد المترامي الأطراف، في فترة أولى من 2011 إلى 2015، وثانية تم الإطاحة بها في منتصفها عام 2016؛ بسبب قضايا فساد اعتبرتها مؤامرة عليها وعلى رفيق دربها الرئيس الحالي لولا دا سيلفا، وحزبهما.
وتعتبر روسيف صورة للمرأة الحديدية التي كثيرا ما وصفوها بميركل البرازيل، نظرا لطبيعة شخصيتها الصلبة، التي صقلها نشاطها السياسي منذ المراهقة، ضد الانقلاب العسكري في 1964، الذي تولى تعذيبها وسجنها جراء ذلك ثلاث سنوات.
وانتهى بها المطاف في 2001، إلى الانضمام لحزب العمال بزعامة الرئيس الحالي لولا دا سيلفا، وحازت ثقته، ولمع اسمها إلى أن عينها وزيرة للطاقة خلال ولايته الأولى، ثم اختارها كخليفة له في مشروعه السياسي.
وتكاد مسيرة رئيسة المكسيك الحالية، كلوديا شينباوم، تكون الأقرب إلى مسيرة روسيف، رغم أن بدايات شينباوم كانت أهدأ بكثير من روسيف، غير أنها انضمت أيضا في عقدها الرابع إلى حركة" مورينا" التي أسسها الرئيس السابق أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، وفازت بمناصب عليا في الحكومة أثبتت جدارة إدارتها لها، وأهلتها للفوز بثقة تحالف ثلاثة أحزاب يسارية لخوض انتخابات المكسيك الرئاسية في 2024 لخلافة أوبرادور، ونالت المنصب بأعلى نسبة تصويت في تاريخ المكسيك، عبر فوزها في 31 ولاية من أصل 32.
مع الاعتراف بوجود أسماء لنساء لاتينيات تقلدن منصب الرئاسة لسد فراغ ما أو للعب دور براغماتي بحت في خطة انقلاب ما، تبقى حالات نيل المرأة هذا المنصب، بفضل كفاءتها وثقة الشعوب فيها، هي الغالبة، في منطقة لم تنل بعد شرف التصنيف في قائمة العالم الأول.
في المقابل تبدو الولايات المتحدة، كأبرز اسم في العالم الأول، مثالا للبلد الذي يرفع شعار المساواة بين الجنسين عاليا، ولا يطبقه، ولعل الصورة الشهيرة لاجتماع الوفد الأمريكي مع مضيفه الصيني في قاعة الشعب الكبرى في بكين، في مايو/أيار الماضي، خير دليل على ذلك.
حيث مثلت تلك الصورة مادة دسمة للانتقاد في الأوساط النسوية، استنكرن من خلالها الحضور الذي اقتصر على الرجال من الجانبين، في اجتماع أطلق عليه مجازا" تقرير مصير العالم".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك