عندما تُذكر الحوكمة، يتبادر إلى الذهن فورًا الشركات، ومجالس الإدارة، واللوائح، والرقابة.
حتى أصبح كثيرون يظنون أنها مفهوم إداري لا يعني إلا المؤسسات.
فالإنسان يمارس الحوكمة كل يوم… حتى وإن لم يعمل يومًا في شركة.
حين يلتزم بوعدٍ رغم أن الاعتذار أسهل.
وحين يرفض استغلال منصبه لمصلحة شخصية.
وحين يختار ما هو صحيح، لا ما هو مريح.
في كل تلك المواقف، هو يمارس الحوكمة، وإن لم يسمّها بهذا الاسم.
ولهذا، فالمشكلة ليست أن الحوكمة غائبة عن المؤسسات فحسب، بل أنها غائبة عن فهمنا لها.
فنحن اختزلناها في اللوائح، بينما هي قبل ذلك طريقة تفكير.
ولو كانت الحوكمة تُصنع بالأنظمة وحدها، لما انهارت شركات امتلكت أدق السياسات، ولما سقطت مؤسسات اجتازت كل اختبارات الامتثال.
والإجراء لا يصنع النزاهة.
ولهذا لا تُختبر الحوكمة عندما يكون الالتزام سهلًا.
بل حين يصبح تجاوز النظام أكثر إغراءً.
حين تتعارض المصلحة مع المبدأ.
وحين يكون الخطأ متاحًا… ولا يراك أحد.
وهنا يقع الخلط الذي تعاني منه كثير من المؤسسات.
فهي تستثمر في كتابة السياسات أكثر مما تستثمر في بناء الثقافة.
تراجع الأدلة، لكنها لا تراجع السلوك.
تضيف إجراءات جديدة، بينما المشكلة الحقيقية ليست نقص الإجراءات، بل غياب القناعة التي تمنحها الحياة.
ولهذا نجد أحيانًا مؤسسة صغيرة، بإمكانات محدودة، لكنها تتمتع بثقة عالية.
وفي المقابل، نجد مؤسسات ضخمة، تمتلك أفضل الأنظمة، لكنها تتعثر عند أول اختبار أخلاقي.
لأن الفرق لم يكن يومًا في عدد اللوائح…بل في الإنسان الذي يطبقها.
وربما لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال:هل سنلتزم بالمبدأ نفسه إذا اختفت الرقابة؟ذلك أن الحوكمة ليست نظامًا يراقبك.
ولهذا لا تبدأ الحوكمة عندما تعتمد المؤسسة سياساتها، بل عندما يصبح الالتزام بالمبدأ جزءًا من شخصية من يعمل فيها.
فالأنظمة قد تضبط السلوك فترة، أما القيم فهي التي تحميه على المدى الطويل.
ولهذا، فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في كتابة لوائح أكثر، بل في بناء إنسان لا يحتاج في كل مرة إلى من يذكره بما هو صواب.
في الختام، يبقى جوهر الحوكمة في قدرتها على أن تتحول من نظامٍ إداري يُفرض، إلى قيمةٍ تُعاش، ومبدأ يوجّه القرار حتى في غياب الرقابة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك