فى مثل هذا اليوم، تحل ذكرى توقيع معاهدة المقطع بين الأمير عبد القادر الجزائرى والفرنسيين، وهى المعاهدة التى جاءت بعد واحدة من أكبر الهزائم التى مُنيت بها القوات الفرنسية فى بدايات احتلالها للجزائر، عندما نجح الأمير الشاب فى إلحاق هزيمة ساحقة بجيش الجنرال الفرنسى تريزيل، ليجبر فرنسا على الجلوس إلى مائدة المفاوضات.
بعد احتلال فرنسا للجزائر عام 1830، برز الأمير عبد القادر الجزائرى قائدًا للمقاومة الوطنية، حيث أعلن الجهاد ضد الاحتلال، واستطاع فى عام 1832 أن يوحد القبائل الجزائرية تحت قيادته، ليُبايع أميرًا للجهاد وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره.
ولم يكتفِ بقيادة المعارك، بل أسس نواة دولة جزائرية حديثة، فنظم الإدارة، وعين الوزراء، واختار مدينة المعسكر عاصمة له، كما أنشأ جهازًا إداريًا وعسكريًا متماسكًا، وأقام علاقات معال الزعامات المحلية وبقايا الإدارة العثمانية التى أعلنت ولاءها له.
معاهدة أولى لم تدم طويلًاأمام النجاحات العسكرية للأمير عبد القادر، اضطرت فرنسا إلى توقيع معاهدة مع الجنرال دي ميشيل عام 1834، تضمنت وقف القتال، وإطلاق الأسرى، وحرية التجارة، واحترام الدين الإسلامى والعادات المحلية.
لكن هذه الاتفاقية لم ترضِ القيادات الفرنسية التى كانت تطمح إلى إحكام سيطرتها الكاملة على الجزائر، فسارعت إلى استبدال الجنرال دي ميشيل بالحاكم الجديد الجنرال تريزيل، الذى اتخذ موقفًا أكثر تشددًا تجاه المقاومة الجزائرية.
معركة المقطع.
الهزيمة التى أذلت فرنسافى عام 1835، خرج الجنرال تريزيل على رأس قوة قوامها نحو 2500 جندى، مزودين بالمدافع والذخائر، متجهًا نحو معسكر الأمير عبد القادر.
إلا أن الأمير استدرج القوات الفرنسية إلى منطقة نهر المقطع بالقرب من الساحل، حيث نفذ خطة عسكرية محكمة انتهت بانتصار كبير للمقاومة الجزائرية، وتكبد الجيش الفرنسى خسائر فادحة قُدرت بنحو 500 قتيل، فى واحدة من أقسى الهزائم التى تعرض لها الاحتلال الفرنسى فى الجزائر.
واعتبر الجزائريون هذه المعركة من أعظم انتصارات الأمير عبد القادر، خاصة أنه كان لا يزال فى السادسة والعشرين من عمره.
أجبرت الهزيمة فرنسا على العودة إلى طاولة التفاوض، فتم توقيع معاهدة المقطع، التى مثلت اعترافًا عمليًا بقوة الأمير عبد القادر ونفوذه على مساحات واسعة من الجزائر، كما منحت المقاومة فرصة لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز مؤسسات الدولة التى أسسها الأمير.
ورغم أن المعاهدة لم تضع حدًا للصراع، فإنها كشفت حجم المأزق الذى واجهته فرنسا أمام مقاومة منظمة استطاعت أن تجمع بين العمل العسكرى وبناء مؤسسات الدولة.
واصل الأمير عبد القادر كفاحه ضد الاحتلال الفرنسى لسنوات طويلة، وأصبح أحد أبرز رموز المقاومة فى التاريخ العربى والإسلامى، ليس فقط بفضل انتصاراته العسكرية، بل أيضًا لما عُرف عنه من أخلاق الفرسان واحترامه للأسرى والتزامه بقوانين الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك