الدين والعلمانية.
أيهما يشكل الهوية الإسرائيلية؟مع تنامي مظاهر الصبغة الدينية لدولة الاحتلال الإسرائيلي يتكرر السؤال ذاته عن طبيعة هوية الدولة المزعومة، هل هي علمانية على النمط الغربي كما تعرف نفسها، أم أنها دينية تحكمها العقائد والتشريعات اليهودية؟قد يبدو السؤال عن الهوية الدينية والعلمانية في أي دولة لا يحتاج إلى عناء في الإجابة عنه، فهما هويتان متناقضتان لا يجتمعان سويًا في نظام واحد، لكن تظهر المعضلة عندما يتعلق الأمر بدولة الاحتلال الإسرائيلي، والتي تمثل حالة بالغة التعقيد والتشابك، ذلك لأنها لا تشبه الدولة العلمانية في فصلها الدين عن المجال العام، وهي كذلك ليست دولة دينية يحكمها رجال الدين والتشريعات اليهودية بشكل كلي ومباشر.
الهوية في دولة الاحتلال تداخلت في تكوينها القومية والدين والتاريخ والأسطورة والمصالح السياسية، فأصبح من العسير الفصل بين هذه المكونات أو تفسير أحدها بمعزل عن الآخر.
كثير من المتابعين والمهتمين بقضايا الصراع العربي الإسرائيلي يرون أن إسرائيل دولة قامت على أساس ديني وفكرة تجميع يهود الشتات في وطن بفلسطين، ويعزز من هذا الاعتقاد الخطاب السياسي الذي يستصحب الرموز التوراتية، لكن بالعودة إلى الجذور سيتضح أن مؤسسي الصهيونية أو معظمهم لم يكونوا متدينين من بينهم مؤسسها تيودور هرتزل نفسه، بل كانوا من أبناء البيئة الأوروبية التي شهدت صعود القومية والعلمانية في القرن التاسع عشر.
وأما ديفيد بن غوريون مؤسس دولة الاحتلال وأول زعمائها فقد كان ملحدًا ولا يدخل المعبد ولا يعترف باليهودية كدين، لكنه مع ذلك أظهر احترامه لها ولشعائرها وسمح بإنشاء المدارس الدينية.
كان هدف أساطين الصهيونية إقامة وطن قومي يجمع اليهود لا إقامة نظام ثيوقراطي يخضع للمؤسسة الدينية، فتعاملوا مع الدين ليس باعتباره مصدرًا للتشريع أو الحكم، بل باعتباره أحد عناصر الهوية التاريخية والثقافية.
وفي المقابل هناك من يقول بأن دولة الاحتلال ذات هوية علمانية، وذلك بسبب قيام الدولة منذ نشأتها على مؤسسات مدنية من برلمان منتخب وحكومة وقضاء وجيش ونحوه، دون منح المؤسسة الدينية سلطة مطلقة على إدارة الدولة، إضافة إلى طرح الدولة نفسها على أنها علمانية تستند إلى القوانين الحديثة والنظم الديمقراطية الغربية.
لكن هذه الصورة تتبدد عند النظر في المضمون لا الشكل والهيكل، فهي تعرف نفسها بوصفها دولة قومية للشعب اليهودي، خاصة بعد قانون القومية 2018، وهو تعريف يحمل مضمونا دينيا وقوميا في الوقت ذاته، فالانتماء اليهودي فيها ليس مجرد انتماء ثقافي، بل يترتب عليه حقوق سياسية وقانونية لليهود لا يتمتع بها غيرهم، وعلى رأسها قانون العودة الذي يتضمن حق هجرة اليهود من شتى أنحاء العالم إلى إسرائيل والحصول على جنسيتها، في الوقت الذي يحرم الفلسطينيين المُهجرين من أرضهم من حق العودة، وهنا يصبح الانتماء الديني والقومي جزءًا من البناء القانوني للدولة.
إضافة إلى ذلك تبقى مسائل الزواج والطلاق والدفن خاضعة للمحاكم الدينية التابعة للطوائف المختلفة، كما تلعب المؤسسة الحاخامية دورًا مؤثرًا في تحديد من يُعد يهوديًا في بعض الحالات، وهو أمر ينعكس مباشرة على قضايا الجنسية والهجرة والحقوق المدنية.
ولو كانت الدولة علمانية بالمفهوم الليبرالي المعروف، لكانت هذه القضايا من اختصاص القضاء المدني وحده.
لذلك يمكن القول بأن إسرائيل تقف في منطقة وسطى بين نموذجين، فتأخذ من الدولة الحديثة مؤسساتها، وتأخذ من الدين عناصر تعريفها لنفسها ولشرعية وجودها، ونجحت في تحويل الموروث الديني إلى أداة سياسية، فاستدعت النصوص التوراتية كغطاء شرعي تاريخي لفكرة أرض المعاد، وتحولت الرموز الدينية إلى أدوات تعبئة قومية، وأصبح الحديث عن أقدمية السكنى وأرض الآباء والوعد الإلهي جزءًا من الخطاب السياسي اليومي.
ومن هنا يظهر أن العلاقة بين الدين والسياسة في إسرائيل علاقة تأسيسية، فالدين يوفر الرمزية والحق التاريخي والدولة الحديثة توفر الإدارة والتنظيم وأدوات القوة واستثمار البعد الديني في شق مسارات سياسية وأمنية وعسكرية.
فالوصف الأقرب لدولة الاحتلال هو أنها دولة قومية ذات مرجعية يهودية تستخدم الدين بوصفه محددا ومصدرا للهوية، وتعتمد في الوقت نفسه على مؤسسات مدنية حديثة ذات صبغة علمانية.
خلافا للعلمانيين في كل بلاد العالم، يدرك العلمانيون في إسرائيل أهمية الدين لبقاء وامتداد الدولة الإسرائيلية، فرجل مثل يائير لبيد زعيم حزب" يش عتيد" الأكثر تمثيلا للتيار العلماني في الداخل الإسرائيلي عندما سئل عن موقف العلمانيين من الدين هل معه أم ضده، أجاب: " لن يتم فصل الدين عن الدولة لأبد الآبدين".
والكاتب الصهيوني العلماني موشيه بن عطار يرى أن فكرة فصل الدين عن الدولة في إسرائيل شعار أجوف وغير واقعي على الصعيد المبدئي والعملي ولا يمكن قبوله.
شاؤول روزنفيلد أستاذ الفلسفة في الجامعة العبرية وهو كذلك صهيوني علماني يقول بوضوح: " نحن العلمانيين في إسرائيل لا يمكن أن نقبل فصل الدين عن الدولة، لأن هذا يمثل خطرًا وجوديًا على الدولة، فهو يعني القضاء على هوية الدولة وطابعها اليهودي".
باختصار، دولة الاحتلال حالة هوياتية خاصة، تجمع بين الهوية اليهودية القومية والنظام العلماني، وهناك شبه اتفاق من المتدينين والعلمانيين معًا على أهمية الدين في حياة الشعب الإسرائيلي ومستقبل الدولة الإسرائيلية وأنه مادة حياتها والفكرة التي تستبقي تماسك الشعب والتفافه حول حكومته التي تستغل ذلك جيدًا، وليس الخلاف بين الاتجاهين حول وجود اليهودية كهوية، بل حول مدى حضورها في التشريع وحدود سلطة المؤسسات الدينية داخل الدولة الحديثة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك