على مألوف عاداته، الأقرب إلى تمثيل «هوية» إعلامية شخصية، جوفاء عالية الضجيج في آن، يُسمِع النائب اللبناني حسن فضل الله الكثير من الجعجعة في التعليق على منعطفات حساسة؛ ولا يُري طحناً من أيّ نوع، خاصة وأنه لا يفلح أيضاً في تمثيل أصحاب الحلّ والعقد في الهرم الأعلى من قيادات «حزب الله».
آخر «المآثر» ما توعد به، تعليقاً على توقيع «اتفاق الإطار» بين لبنان ودولة الاحتلال الإسرائيلي، حين اعتبر أنّ هذه السلطة اللبنانية «لن تستطيع تنفيذ الاتفاق الموقّع في واشنطن، إلا إذا ذهبت بدعم أمريكي إلى حرب أهلية».
كذلك تفتقت طاقة الجعجعة عند فضل الله عن معادلة عجيبة مزدوجة، شطرها الأوّل أنّ واشنطن (ذاتها، التي وقعت مذكّرة التفاهم مع طهران) إنما تهدف إلى «تعطيل مسار إسلام آباد»؛ وشطرها الثاني أنّ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو «كان يفاوض نفسه».
وأمّا الزبدة في غياب الطحن، فهو اجترار مقولة «الميدان» بوصفه العامل الحاسم، وأنّ «المقاومة هي أهل الأرض».
وإذْ ينعم فضل الله، ومعظم قيادات الصفّ الأول في «حزب الله»، بالرفاه والبنين والمسكن المريح وميكروفونات الجعجعة، يتشرد 1.
6 مليون لبنانب جنوبي من «أهل الأرض» أولئك، على أرصفة بيروت وفي حدائقها وخيام اللجوء العشوائية.
وتلك، بالطبع، نتيجة جرائم حرب إسرائيلية موصوفة، تعتمد التهجير القسري وتدمير المساكن في القرى وبلدات ومدن الجنوب؛ ولكنها، أيضاً، عاقبة الحروب العبثية التي يواصل «حزب الله» زجّ لبنان واللبنانيين فيها، من باب التبعية المطلقة لإملاءات طهران و«الحرس الثوري» الإيراني.
لا عجب، في المقابل وعلى صعيد قواعد الأنصار التي تتحرك عادة بمنطق الدهماء وغريزة القطيع، اتكأ «حزب الله» على مناسبة عاشوراء كي يستعرض عضلاته وتسيير قواته «الضاربة» على الدراجات النارية، ليس في الضاحية الجنوبية بوصفها (حتى إشعار آخر لا يلوح أنه سوف يطول) حاضنة الحزب الأولى، فحسب؛ بل كذلك في قلب العاصمة بيروت، في ساحة رياض الصلح والرملة البيضاء، بما يكفل استفزاز الجيش اللبناني وإجباره على التدخل.
وإذا صحّ أنّ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد منحت طهران صفة المفاوض الشريك عن لبنان، وعن «حزب الله» وما يمثله في قلب الديموغرافيا الشيعية اللبنانية حصرياً؛ فإنّ ذلك التفويض دونه خرط قتاد نتنياهو والاحتلال الإسرائيلي في ما يقارب ثلث أراضي الجنوب اللبناني من جهة أولى، ومعادلات «لبنان جديد» بات من المتعذر عدم إدخاله (حشراً، إذا اقتضت الحال) في جغرافيات انحسار نفوذ «إيران الجديدة» ما بعد مذكرة التفاهم مع واشنطن.
في عبارة أخرى، حكاية وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، التي يتفاخر بها قادة إيران كجزء من بنود «انتصار» أحرزوه ضدّ واشنطن، ليست في نهاية المطاف قاطرة منفردة باتجاه واحد يقوده أمثال نعيم قاسم أمين عام «حزب الله»، فما بالك بأشباه قيادات على طراز حسن فضل الله؛ بل هي قطار متعدد القاطرات، يُسيّر (لأنه لا يسير تلقائياً) على سكك مسبقة الترسيم والتوجيه.
وأيّ اختلاف سحائب صيف بين إدارة ترامب وتابعه نتنياهو لن تكون إلا طارئة عابرة في مقام أوّل، وليس لها أن تنتهي في المقام الأخير إلا لخدمة مصالح دولة الاحتلال؛ هذه التي قد يكون نتنياهو جاداً تماماً حين يصرّح بأنّ احتلالاتها في جنوب لبنان، وبالتالي في قطاع غزة والجنوب السوري أيضاً، لن تشهد أيّ انسحابات ما دام يترأس حكومتها.
وقد ينطوي وعيد نتنياهو على مقادير غير قليلة من الجعجعة، بدوره، قياساً على أفعال سابقيه أمثال مناحيم بيغن وأرييل شارون وإيهود باراك، حيث يُتاح للمفارقة أن تتمثل في التلاقي الضمني والجدلي، مع جعجعة فضل الله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك