انتهت رحلة المنتخب السعودي في كأس العالم 2026، لكن ما يجب ألا ينتهي هو الوقوف أمام الأسباب الحقيقية لهذا الإخفاق.
ففي كرة القدم، الخسارة واردة، أما تكرار الأخطاء فهو ما يستدعي المراجعة والمحاسبة.
لقد حظيت الرياضة السعودية خلال السنوات الأخيرة بدعم تاريخي من القيادة الرشيدة، وشهدت الأندية قفزات كبيرة على المستويات الفنية والاستثمارية، وأصبح الدوري السعودي محط أنظار العالم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم ينعكس هذا التطور على المنتخب الوطني بالصورة التي تليق باسم المملكة وطموحاتها؟الحديث هنا ليس عن مباراة خسرناها، ولا عن بطولة انتهت، بل عن مشروع يحتاج إلى إعادة تقييم شاملة يقودها الاتحاد السعودي لكرة القدم بكل شفافية وجرأة.
فالنجاحات لا تتحقق بالاجتهادات المؤقتة، وإنما بالرؤية الواضحة، والاستقرار الفني، والعمل المؤسسي طويل المدى.
ومن وجهة نظري، فإن أولى خطوات التصحيح تبدأ بتحمل المسؤولية الإدارية.
فالاستقالة في المؤسسات الرياضية الكبرى ليست هروبًا من المسؤولية، بل هي أحد أرقى صورها عندما لا تتحقق الأهداف المرسومة.
ومن هذا المنطلق، فإنني أرى أن إعلان مجلس إدارة الاتحاد السعودي لكرة القدم استقالته، وإتاحة الفرصة لمجلس جديد يحمل روحًا مختلفة، وفكرًا متجددًا، ورؤية أكثر طموحًا، قد يكون بداية حقيقية لتصحيح المسار، واستعادة ثقة الجماهير، وبناء مشروع يتناسب مع حجم الدعم الذي تحظى به الرياضة السعودية.
كما أن من أهم الملفات التي تستحق النقاش اليوم منح المدرب السعودي فرصة حقيقية.
فالمدرب الوطني لم يحصل عبر السنوات على الثقة والاستمرارية الكافيتين لإثبات قدراته، بينما تتكرر التجارب الأجنبية رغم تعثر بعضها.
المدرب السعودي يمتلك المعرفة بالبيئة المحلية، ويفهم عقلية اللاعب، ويحمل دافعًا وطنيًا كبيرًا لخدمة بلده.
وإذا كنا نؤمن بالكفاءات السعودية في مختلف المجالات، فمن الواجب أن نمنحها الثقة في قيادة المنتخب، وفق معايير فنية دقيقة، وبرنامج واضح، ودعم حقيقي، بعيدًا عن المجاملات أو الأحكام المتسرعة.
كما تتطلب المرحلة مراجعة شاملة لمنظومة المنتخبات، تبدأ من الفئات السنية، وتمر باكتشاف المواهب، وتطوير المسابقات، والتنسيق مع الأندية لضمان جاهزية اللاعب السعودي للمنافسة الدولية.
فالمنتخب لا يُبنى في معسكر، بل يُصنع عبر سنوات من العمل المنظم.
إن النقد الموجه اليوم للاتحاد السعودي ليس استهدافًا لأشخاص، وإنما هو مطالبة بإعادة تقييم مرحلة كاملة، تتناسب مع حجم الدعم والطموح الوطني.
والجماهير السعودية تستحق منتخبًا يعكس مكانة المملكة، ويكون قادرًا على المنافسة في المحافل الكبرى.
ومع اقتراب استضافة المملكة لكأس العالم 2034، فإن الوقت لا يزال كافيًا لبناء منتخب قوي، لكن ذلك يتطلب قرارات شجاعة، وقيادات متجددة، وثقة بالكفاءات الوطنية، وإرادة حقيقية للتغيير.
فالمنتخبات الكبيرة لا تُقاس بعدد انتصاراتها فقط، بل بقدرتها على الاعتراف بأخطائها، واتخاذ القرارات الصعبة في الوقت المناسب.
واليوم… لم يعد الشارع الرياضي ينتظر التبريرات، بل ينتظر بداية جديدة تليق بطموح وطن يستحق الأفضل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك