عمان – يشهد سوق العمل العالمي تحولات متسارعة، تعيد رسم ملامح التوظيف والمهارات المطلوبة، مدفوعة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتغير أنماط الإنتاج.
اضافة اعلانوفي هذا السياق، يبرز الأردن كنموذج لدولة تواجه تحديات مزدوجة تتمثل بارتفاع معدلات البطالة، وضعف مشاركة القوى العاملة، وتزايد الاعتماد على الاقتصاد غير المنظم، إلى جانب فرص واعدة يمكن استثمارها إذا ما تم تعزيز السياسات المرتبطة بالمهارات والتشغيل.
وتشير بيانات حديثة إلى أن سوق العمل الأردني يعاني من فجوة واضحة بالتشغيل، إذ لا تتجاوز نسبة التشغيل من السكان في سن العمل مستويات منخفضة، لا سيما بين النساء، في ظل فجوة كبيرة بالمشاركة الاقتصادية بين الجنسين.
كما يعد الاقتصاد غير المنظم واسع الانتشار، ما يعني أن جزءاً كبيراً من العاملين لا يتمتعون بالحماية الاجتماعية أو الاستقرار الوظيفي، وهو ما ينعكس سلباً على الإنتاجية والنمو الاقتصادي.
في المقابل، تؤكد التقارير الدولية أن التحولات التكنولوجية، لا سيما الذكاء الاصطناعي، لم تعد تؤثر فقط على عدد الوظائف، بل أيضاً على طبيعتها وجودتها، فالتكنولوجيا الحديثة تعيد تشكيل المهام داخل المهن بدلاً من إلغائها بالكامل، لكنها في الوقت نفسه ترفع من متطلبات المهارات الرقمية والمعرفية، وتزيد من الضغط على الأنظمة التعليمية وسوق العمل لتحديث قدراتها بسرعة أكبر.
وفي الأردن، يظهر هذا التحول بوضوح عبر التحدي القائم بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
إذ يدخل آلاف الخريجين سنويا لسوق العمل دون أن تتوفر لهم فرص كافية في القطاع الرسمي، ما يدفع البعض لقبول وظائف أقل من مؤهلاتهم أو التوجه إلى العمل غير المنظم أو البطالة، هذا الخلل البنيوي يضعف الإنتاجية ويحد من قدرة الاقتصاد على خلق نمو مستدام.
كما أن البطالة بين الشباب تشكل إحدى أبرز التحديات، حيث تُظهر الاتجاهات أن فئة الشباب هي الأكثر تأثراً بضعف فرص العمل، ما ينعكس على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وتزداد حدة المشكلة بالنسبة للنساء، اللواتي يواجهن معدلات مشاركة منخفضة مقارنة بالرجال، بسبب عوامل تتعلق بطبيعة سوق العمل، والفرص المتاحة، والمعايير الاجتماعية.
وتشير الأدبيات الحديثة حول" اتجاهات التوظيف والتحولات الاجتماعية" إلى أن أسواق العمل عالميا تتجه نحو نموذج أكثر مرونة، لكنه أكثر تطلباً من حيث المهارات.
فالمهن المستقبلية ستعتمد بشكل أكبر على المهارات الرقمية، والتحليلية، والقدرة على التكيف مع التكنولوجيا، إلى جانب المهارات الاجتماعية والإبداعية.
وهذا يعني أن الاقتصادات النامية، ومنها الأردن، تحتاج إلى تسريع وتيرة الإصلاح في التعليم والتدريب المهني.
وفي ظل هذه التحولات، تبرز أهمية الاستثمار بالتعلم مدى الحياة، باعتباره أحد الحلول الرئيسية لمواجهة تغير سوق العمل.
فبدلاً من الاعتماد على التعليم التقليدي فقط، أصبح من الضروري توفير برامج تدريب مستمرة تساعد العاملين على تحديث مهاراتهم بشكل دوري، بما يتماشى مع متطلبات الاقتصاد الحديث.
وتؤكد التقارير أن التحول الرقمي قد يحمل فرصا كبيرة للأردن، لا سيما بمجالات الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد والخدمات المعرفية.
إلا أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب تحسين البنية التحتية الرقمية، وتوسيع الوصول للتكنولوجيا، وتقليل الفجوة الرقمية بين الفئات المختلفة، وتعزيز بيئة الأعمال لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها محركاً رئيسياً للتوظيف.
وفي المقابل، يحذر خبراء العمل من أن عدم مواكبة هذه التحولات قد يؤدي لاتساع الفجوة الاجتماعية والاقتصادية، وزيادة عدم المساواة في سوق العمل، خاصة إذا ظل الاقتصاد غير المنظم في مستويات مرتفعة، واستمرت الفجوة بين المهارات المطلوبة والمتوفرة.
وتسعى الحكومة، في إطار رؤية التحديث الاقتصادي، لمعالجة هذه التحديات عبر خطط تستهدف خلق فرص عمل جديدة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتطوير التعليم والتدريب المهني، إضافة إلى دعم الابتكار وريادة الأعمال، وتهدف هذه الجهود لتوفير ما يقارب مليون فرصة عمل خلال السنوات المقبلة، بما يسهم بخفض معدلات البطالة وتحفيز النمو.
في المحصلة، يقف الأردن أمام مرحلة مفصلية في سوق العمل، حيث تتقاطع التحديات التقليدية مع التحولات التكنولوجية العالمية.
وبينما تفرض هذه التحولات ضغوطاً كبيرة على الاقتصاد، فإنها تفتح أيضاً نافذة فرص واسعة، بشرط الاستثمار الجاد في الإنسان، والمهارات، والتكنولوجيا، وبناء سوق عمل أكثر شمولاً واستدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك