جوزيف ستيغليتز والعالم غير المتكافئمنبر نور – مقالات من بطون كتب نوبل إلى نبض الواقعنواصل في منبر نور رحلتنا الفكرية في بطون كتب نوبل الاقتصادية، لا من باب الاحتفاء بالأسماء وحدها، كما ظللت اذكر وإنما سعياً لفهم الأفكار التي أعادت تشكيل العالم المعاصر، وأثرت في حياة الشعوب والدول والأسواق.
وقد تناولنا في مقالات سابقة قضايا التنمية والحرية، واقتصاد المعلومات، والاقتصاد السلوكي، ودور المؤسسات والدولة في التنمية،لنصل اليوم إلى إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في عصرنا الحديث:هل العولمة فرصة تاريخية لتقدم البشرية، أم أنها فخ اقتصادي يزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء؟هذا السؤال لم يعد نقاشاً أكاديمياً محضاً، بل أصبح قضية تمس الأمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للدول النامية، ومنها السودان وسائر البلدان الإفريقية والعربية.
لذلك تناولناه من عدة محاورالعولمة في معناها الاقتصادي تشير إلى ازدياد الترابط بين اقتصادات العالم من خلال:شبكات المعلومات والاتصالات.
وقد تسارعت هذه العملية بصورة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة،ومع انتشار الإنترنت والثورة الرقمية وتحرير الأسواق المالية.
وأصبح العالم، وفق التعبير الشائع، “قرية كونية”.
هل استفاد الجميع بالقدر نفسه؟جوزيف ستيغليتز ونقد العولمة المعاصرةحصل الاقتصادي الأمريكي Joseph Stiglitz على جائزة نوبل عام 2001 عن إسهاماته في اقتصاد المعلومات.
غير أن شهرته العالمية اتسعت بعد صدور كتابه الشهير:Globalization and Its Discontentsوالذي انتقد فيه الطريقة التي أديرت بها العولمة خلال العقود الأخيرة.
ولم يكن اعتراضه على مبدأ التعاون العالميبل على عدم العدالة في توزيع المكاسب، وعلى السياسات الاقتصادية الموحدة التي فُرضت أحياناً على دول تختلف ظروفها واحتياجاتها.
لا يمكن إنكار أن العولمة حققت مكاسب هائلة للبشرية.
ازدادت حركة السلع والخدمات بصورة غير مسبوقة، مما سمح للدول بالاستفادة من مزاياها النسبية وتوسيع أسواقها.
أتاحت العولمة للدول النامية الوصول إلى تقنيات حديثة كانت حكراً على الدول الصناعية.
فالهواتف الذكية والإنترنت والتقنيات الزراعية والطبية أصبحت متاحة على نطاق واسع.
أدت سلاسل الإمداد العالمية إلى تقليل تكاليف الإنتاج وزيادة تنوع السلع والخدمات للمستهلكين.
الحد من الفقر في بعض المناطقتشير تجارب دول شرق آسيا إلى أن الانفتاح الاقتصادي، حين يقترن بمؤسسات قوية وسياسات وطنية واضحة، يمكن أن يسهم في رفع مستويات المعيشة وتقليل معدلات الفقر.
لكن الوجه الآخر أكثر تعقيداً.
فقد أظهرت التجارب أن مكاسب العولمة لم تتوزع بصورة متساوية.
أصبحت الثروة العالمية أكثر تركيزاً لدى شرائح محدودة، بينما بقيت قطاعات واسعة من سكان العالم خارج دائرة الاستفادة الحقيقية.
الاعتماد المفرط على الأسواق العالمية جعل بعض الدول عرضة للأزمات المالية والتقلبات الدولية.
وقد كشفت الأزمة المالية العالمية عام 2008 حجم الترابط والمخاطر التي يحملها النظام الاقتصادي العالمي.
ضغوط المؤسسات المالية الدوليةينتقد ستيغليتز بعض السياسات المرتبطة بالمؤسسات الدولية، مثل:التحرير المالي غير المنضبط،حين تُطبق دون مراعاة للظروف المحلية للدول النامية.
تآكل بعض الصناعات الوطنيةفي بعض البلدان، أدت المنافسة غير المتكافئة إلى إضعاف الصناعات المحلية وعدم قدرتها على مجاراة الشركات العملاقة متعددة الجنسيات.
من الأسئلة الجوهرية التي يطرحها ستيغليتز:إذا كانت الأسواق المحلية تحتاج إلى قوانين ومؤسسات لضمان العدالة والمنافسة، فلماذا نفترض أن السوق العالمية تستطيع تنظيم نفسها تلقائياً؟يرى أن النظام الاقتصادي الدولي يحتاج إلى:تمثيل أفضل للدول النامية،سياسات تراعي العدالة الاجتماعية إلى جانب الكفاءة الاقتصادية.
السودان والعولمة الاقتصاديةتواجه السودان، مثل كثير من الدول الإفريقية، تحديات خاصة في التعامل مع العولمة.
فالانفتاح على الاقتصاد العالمي يمثل فرصة كبيرة من خلال:الاستفادة من التكنولوجيا،توسيع الأسواق للصادرات الزراعية والمعدنية.
لكن هذه الفرصة تحمل مخاطر إذا لم تصاحبها:حماية ذكية للصناعات الناشئة،فالعولمة ليست بديلاً عن التنمية الوطنية،بل إطاراً تعمل داخله هذه التنمية.
الاقتصاد المعرفي والعولمة الجديدةدخل العالم اليوم مرحلة جديدة تختلف عن العولمة التقليدية.
فالثروة لم تعد تقوم فقط على:بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على:وأصبح السؤال الحقيقي للدول النامية:هل سنظل مستهلكين للتكنولوجيا أم سنصبح منتجين للمعرفة؟إن التعامل مع العولمة يتطلب منهجاً متوازناً يقوم على:الانفتاح الذكي على الأسواق العالمية.
الاستثمار في التعليم والبحث العلمي.
تطوير سلاسل القيمة المحلية.
تشجيع ريادة الأعمال والابتكار.
حماية المصالح الوطنية ضمن قواعد الاقتصاد الدولي.
فالخيار الحقيقي ليس بين الانغلاق الكاملقراءة نقدية لفكر ستيغليتزيرى بعض الاقتصاديين أن ستيغليتز يبالغ أحياناً في تحميل المؤسسات الدولية مسؤولية إخفاقات الدول النامية، وأن جزءاً كبيراً من هذه الإخفاقات يرتبط بعوامل داخلية مثل:غياب التخطيط الاستراتيجي.
غير أن أهمية طرحه تكمن في تذكير العالم بأن الكفاءة الاقتصادية وحدها لا تكفي، وأن العدالة الاجتماعية عنصر أساسي في استدامة التنمية.
تكشف لنا تجربة العقود الأخيرة أن العولمة ليست خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً.
إنها أداة تاريخية ضخمة يمكن أن تصبح فرصة للتنمية إذا وجدت:وقد تتحول إلى فخ إذا دخلتها الدول الضعيفة دون استعداد أو رؤية وطنية واضحة.
ولعل الدرس الأكبر الذي يقدمه جوزيف ستيغليتز هو أن الاقتصاد العالمي، مثل الاقتصادات الوطنية، يحتاج إلى التوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين الكفاءة والمصلحة الإنسانية.
فالعالم المترابط لا يمكن أن يكون مستقراً إذا استفادت منه قلة ودفعت أكلافه أغلبية البشر.
Joseph Stiglitz, Globalization and Its Discontents, W.
W.
Norton, 2002.
Joseph Stiglitz, Making Globalization Work, W.
W.
Norton, 2006.
World Bank, World Development Report.
United Nations Development Programme (UNDP), Human Development Reports.
International Monetary Fund (IMF), World Economic Outlook Reports.
Douglass North, Institutions, Institutional Change and Economic Performance.
Amartya Sen, Development as Freedom.
اقتصادي – متقاعد من المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقياsanhooryazeem@hotmail.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك